سماءٌ بلا أقفال: هل تحمي "البيانات" العراق من صواريخ "الأمر الواقع"؟
راجي سلطان الزهيري
أكثر من أسبوعين والمنطقة تعيش فوق صفيح ساخن وتصعيد عسكري وإعلامي تقوده الولايات المتحدة بلا منازع. حشود بحرية، استنفار في القواعد الجوية، وضخ إعلامي محموم يمهد لضربة محتملة ضد إيران؛ تارة بذريعة “منع السلاح الكيميائي” وتارة أخرى تحت لافتة “دعم الاحتجاجات”.
وفيما تترقّب العواصم الإقليمية “ساعة الصفر”، تبدو المنطقة بأسرها رهينة لتوقيت واشنطن، حيث لا يُحتسب شيء سوى ميزان القوة. في خضم هذا المشهد، برزت مواقف عربية لافتة-العراق، الأردن، السعودية-أعلنت صراحةً رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها منطلقاً لاي عمل عسكري. لكن هذا الإعلان، على أهميته السياسية، يفتح باباً سيادياً خطيراً: هل يكفي الرفض الدبلوماسي وحده لحماية السماء من صواريخ تُفرض كأمر واقع.
سيادة مُعلنة وأجواء مستباحة
العراق الذي أنهكته عقود من الحروب ورفض مراراً أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، يجد نفسه اليوم أمام أحد أقسى اختبارات السيادة. الخطاب الرسمي في بغداد حازم لفظياً، لكن الوقائع الميدانية خصوصاً خلال ما عُرف بـ“حرب الاثني عشر يوماً”كشفت فجوة مقلقة بين الموقف السياسي والقدرة الفعلية.
لقد عبرت الطائرات والصواريخ الأجواء العراقية بلا إذن وبلا ردع تقني أو سياسي يُذكر، ما يفرض سؤالاً لا يمكن القفز عليه:
هل تمتلك بغداد الإرادة والقدرة لحماية سمائها، أم أن القرار الجوي العراقي ما يزال مُداراً من غرف عمليات خارج حدوده.
الأردن: “لا” محسوبة بالمسطرة
في المقابل، قدّم الأردن نموذجاً مختلفاً وإشكالياً في التعاطي مع الأزمة. عمّان أعلنت رفض استخدام أجوائها، لكنها عملياً تصدّت لصواريخ ايرانية عابرة بذريعة حماية أمنها القومي، في خطوة وُصفت بأنها دفاع غير مباشر عن إسرائيل. هذا السلوك يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل يعكس الموقف الأردني استقلالاً كاملاً في القرار، أم أنه “رفض مضبوط الإيقاع”، مرسوم بدقة داخل هوامش المناورة المسموح بها أمريكياً، بما يحمي الأردن ولا يضرّ بأمن العمق الإسرائيلي.
حياد هشّ، لا سيادة
ما تكشفه هذه التطورات هو أن المنطقة لا تعيش حياداً حقيقياً، بل حياداً هشاً تحكمه موازين القوة لا نصوص القانون الدولي.
الدول قد تملك شجاعة التصريح، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى السيطرة الفعلية على حدودها الجوية. وعليه، العراق اليوم أمام مفترق طرق واضح، إما ترجمة السيادة من خطاب إلى فعل، عبر امتلاك منظومات دفاع جوي وقرار سياسي مستقل، أو البقاء في دور “الممر المفتوح”، حيث تُنتهك الأجواء عند كل تصعيد ولا يُستدعى اسم العراق إلا في بيانات الشجب والاستنكار.
أخيراً، لمن تعود السماء.
الحروب المقبلة إن اندلعت لن تعترف بحدود مرسومة على الخرائط وسوف تلتهم الاخضر واليابس، السؤال هنا لم يعد، متى تبدأ الحرب، بل من يملك حق الفيتو الحقيقي في هذه المنطقة. علماً ان البيانات الرسمية تمتلئ بمفردات “السيادة” و“الكرامة الوطنية”، تبقى الإجابة معلّقة في سماء مزدحمة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية، بانتظار اليوم الذي تصبح فيه “لا” العربية قراراً يُنفَّذ، لا مجرد حبرٍ على ورق.