خمس فواتير وحرب واحدة
علي حسين فيلي
علي حسين فيلي/ بالإضافة الى الخريطة العسكرية المتعلقة بالحرب الحالية في المنطقة والتي تتحمل كلفتها وتدفع ضريبتها 13 دولة بشكل مباشر او غير مباشر، هناك خريطة أخرى أكثر تعقيدا تلوح في الأفق، وهي خريطة سخط الشعوب وآثارها الوخيمة على الاقتصاد العالمي، ما عدا الدمار الذي تخلفه الحرب ذاتها.
إن هذه الحرب لم تعد مجرد صراع نظري، بل هي مرحلة سقوط الشرعية وكل القيم الإنسانية، حيث وصل الانقطاع بين الشعوب والدول إلى أعمق مستوياته التاريخية، يعيش العالم في هذه اللحظة في قلب حالة من الضجر والإرهاق، وقد وقفت الشوارع علانية ضد الخطاب الذي فرض عليها هذه الحرب.
في أميركا، لم تعد النظرة إلى هذه الحرب والتدخلات المستمرة تحمل ذلك الشعور الوطني الكلاسيكي؛ فالمجتمع الأمريكي اليوم يعيش استقطابا حادا، الجيل الجديد، الذي يرى ضرائب بلاده وأموالها تتحول إلى صواريخ تقتل البشر على بعد آلاف الكيلومترات بدلا من تحسين أنظمة الصحة والتعليم، أصيب بصدمة ضميرية.
بالنسبة لأي شاب أمريكي، فإن الأمن القومي يتمثل في السيطرة على التضخم ومنع الانهيار الاقتصادي الداخلي، وليس في التورط في حرب لا نهاية لها في الشرق الأوسط؛ وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 65% من الأمريكيين يرون هذه الحرب خطأ فادحا، ومن منظور الرفاهية، فإن تكاليفها تؤدي إلى تدهور مستوى المعيشة داخل أمريكا.
أما في إسرائيل، حيث يرزح المجتمع تحت حصار من الهزيمة النفسية، فإن الفجوة الناتجة عن الصراع المحتدم بين حلم النصر العسكري وألم الخسارة البشرية باتت أكثر إيلاما من أي وقت مضى.
الحرب المستمرة لم تجلب الأمن، بل زرعت خوفا دائميا، فغالبية المجتمع الإسرائيلي (أكثر من 60%) تعتقد الآن أن قدسية الحياة وعودة الهدوء ووقف صوت الرصاص أهم من أي نصر وهمي في ساحة المعركة.
وفي المقابل، توجد أقلية أيديولوجية متطرفة لا تزال تصب الزيت على نار الحرب، في وقت تعاني فيه الطبقة الوسطى وقوات الاحتياط —التي تمثل العمود الفقري للدولة— من إنهاك نفسي ومشاكل اقتصادية قاسية.
لقد وصلت حالة عدم الثقة بالقيادة السياسية إلى ذروتها! حيث يرى الناس أبناءهم يقتلون في حرب نهايتها مجهولة، لا تخدم سوى البقاء السياسي لأفراد معدودين.
وهذا ما جعل الشارع الإسرائيلي، خلافا للماضي، يتوقف عن الوقوف كجسد واحد خلف الحرب، مطالبا بوقفها فورا.
ويعد لبنان اليوم من أكثر المناطق وقوعا في قلب النيران، مما يعني تهديدا وجوديا لبقاء الدولة والمجتمع، الشعب اللبناني، الذي كان يئن أصلا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية وانفجارات الماضي، يرى الآن كيف تتحول معالم الحياة والعمران في مدنه وقراه إلى أهداف لقصف لا يرحم.
وثمة استياء واسع النطاق من توريط بلادهم في حرب شاملة، فغالبية الناس، بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية، يطالبون بشيء واحد وهو السلام والرغيف. إنهم لا يريدون لبلدهم مزيدا من الدمار، ولا لبنيتهم التحتية المتهالكة أن تنهار تماما، ولا لمزيد من النزوح؛ بالنسبة لهم، لم تعد الحرب مصدر فخر، بل كارثة ساقت مصيرهم ومصير وطنهم نحو المجهول.
بالنسبة لإيران، التي تعد طرفا رئيسيا في هذه الحرب، فقد وصل الوضع إلى نقطة خطيرة؛ تمثل الحرب الحالية جرحا عميقا في جسد البلاد، حيث يوجد بون شاسع بين الخطاب الرسمي وصرخات الناس المكبوتة.. فبالنسبة للمواطن الإيراني الذي يرى البنية التحتية الاقتصادية، ومحطات الطاقة، وحقول النفط أهدافا للقصف، وقيمة عملته في أدنى مستوياتها التاريخية، فإن الحرب تبدو كنهاية للحياة الطبيعية.
إن الخسائر الإيرانية ليست عسكرية فحسب، بل هي دمار بنيوي؛ فالشعب الذي عاش سنوات طويلة تحت الحصار، يرى الآن مكتسباته القليلة تتلاشى وسط دخان الانفجارات.. والغالبية العظمى ترفض هذه الحرب بشدة، ويرون أن بلادهم أصبحت ضحية لصراع لا يدفع ثمنه سوى الفقراء والمعدمين، مما خلق نوعا من الغضب المكبوت في الشارع؛ فهم لا يقاطعون دعم الحرب فحسب، بل يفسرونها كعدو أول لحياتهم ومستقبل أطفالهم.
العراق لم توكل إليه أي مهمة في هذه الحرب رسميا، ولكن تم استخدامه كساحة لتصفية جزء من الصراعات بين رحى طرفي النزاع، وهو الآن في قلب العاصفة؛ تطالب غالبية العراقيين (حوالي 70%) بشدة بعدم التورط في هذه الحرب، خاصة وهم يشهدون فداحة الخسائر ودمار البنى التحتية في دول الجوار، وكيف أثر التورط الحالي بشكل مباشر على أمنهم وأسواقهم ومعيشتهم.
ترغب الغالبية في عدم العودة إلى حقب الدمار، والحفاظ على الاستقرار النسبي الذي تحقق مؤخرا، وفي المقابل، توجد أقلية أيديولوجية (حوالي 10% من المكون الشيعي) تشارك في الحرب علانية ومباشرة بالمواقف والسلاح.
ما يمكن ملاحظته هو تشكل كتلة بشرية كبرى عبر المنطقة والعالم ضد استمرار الحرب؛ ففي أمريكا يتجلى الرفض في الاحتجاج على تكاليفها، وفي إسرائيل يظهر في الخوف من فقدان الأرواح، وفي لبنان في الخشية من الاحتلال الدائم، وفي إيران في ألم دمار البنية التحتية وضياع المعيشة، وفي العراق في النفور من حرب الوكالة.
الحقيقة هي أن هذه النسب المرتفعة من المعارضة، جنبا إلى جنب مع الخسائر الفادحة، أثبتت أن الشعوب ضاقت ذرعا بهذه الحرب المدمرة أكثر من أي وقت مضى، بينما لا يزال السياسيون ينظرون إليها كـلعبة شطرنج، رغم أنها ليست لعبة، فبعيدا عن كل هذا الخراب، يبقى الإنسان البريء والمواطن العادي هما الضحية الوحيدة.