الوطن البيت أم الوطن الثكنة؟

الوطن البيت أم الوطن الثكنة؟

علي حسين فيلي

2026-03-30T20:45:58+00:00

بعد مرور شهر على اشتعال فتيل المواجهات في المنطقة، يتضح أن ما يجري اليوم ليس مجرد "صدام أيديولوجيات" كما يروج له في المنصات الإعلامية؛ الحقيقة المرة التي نواجهها في العراق هي أن جغرافيتنا لا تزال تعامل كـ "منطقة نفوذ" بدلا من أن تكون "خارطة وطن".

إن كل رصاصة تطلق اليوم لا تفعل شيئا سوى اجترار مآسي الفشل التاريخي؛ لقد ودعنا زمن الاحتلال التقليدي الذي يتطلب وجودا فعليا للجنود في الشوارع، ليحل محله "الاحتلال الحديث"؛ احتلال يتسلل عبر خوارزميات الطائرات المسيرة، ورسائل الصواريخ الموجهة، والوكلاء السياسيين الذين أفرغوا مؤسسات الدولة من سيادتها الحقيقية، وحولوها إلى مجرد "مراسيم بروتوكولية" لا تسمن ولا تغني من جوع.

لا تنظر القوى الإقليمية والدولية إلى العراق ككيان مستقل، بل كـ "فراغ استراتيجي" يتحتم عليها ملؤه بهيمنتها؛ وعندما تصبح سماؤنا ساحة مفتوحة للصواريخ العابرة، وأرضنا حقلا لزراعة شعارات وسياسات لا تمت لواقعنا بصلة، فإننا نفقد بالضرورة أي هامش للاستقلال الذاتي.

ما نعيشه اليوم هو "إعادة تدوير للإهانات التاريخية"؛ حيث يجد العراقيُّ نفسه مضطرا لدفع فواتير حروب لم يختارها؛ والمفارقة الصارخة تكمن في تلك "النخب السياسية" التي تتبجح بالكرامة الوطنية، بينما تدرك تماما أن مفاتيح الأمن القومي العراقي مرتهنة في عواصم الجوار أو ما وراء المحيطات.

في هذه العبثية، لا يدفع المواطن ضريبة الدمار المادي فحسب، بل يدفع ثمن تدمير "المعنى" و"الأمل"؛ فالجيل الذي ينشأ وهو يجمع شظايا الصواريخ وأظرف الرصاص بدلا من الزهور، هو جيل تعيش هويته تحت ضغط وجودي هائل.. إن أي محاولة للصمود في هذا المشهد ليست مجرد فعل سياسي، بل هي "صرخة للبقاء" في وجه محاولات سحق الإرادة الوطنية.

إن السلام الحقيقي لن يأتي ببيانات التنديد أو الاتفاقيات السرية؛ سيأتي فقط عندما تتحول هذه الجغرافيا من "ساحة نفوذ" إلى "أرض للحياة".. إن الجزء الأكثر مرارة في المشهد هو إصرار البعض على إيهامنا بأن هذه الحرب "حربنا"، في حين أنها بوضوح صراع إقليمي يخاض بأدواتنا وعلى أجسادنا.

الضحية في النهاية هي "الإنسان العادي"؛ ذلك الإنسان الذي يبحث تحت ركام غزة عن مأوى، ويعيش قلق المجهول في لبنان، ويطارد في العراق حلم "الوطن البيت".. لا "الوطن الثكنة".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon