الكورد في ميزان عراق ما بعد التحالف
علي حسين فيلي
مخاوف الكورد حيال الوضع السياسي والأمني في العراق ليست مجرد رد فعل عاطفي أو حالة عابرة من الخوف والقلق؛ بل تعبير مباشر عن قلق وجودي وتقييم واقعي فرضته مآسي التاريخ، ولغة الأرقام، وقسوة المعادلات الجغرافية. ولا يستطيع أي مراقب ينظر إلى هذه المعادلة من خارج كوردستان أن يفهم هذه المخاوف، ما لم يتعمق في الأحداث التي تحتفظ بأهميتها ووزنها في الذاكرة الجمعية للإقليم.
يحمل التاريخ السياسي للكورد في العراق سلسلة متواصلة من الوعود المنكوثة والاتفاقات التي افتقرت إلى الضمانات. وقد علّمت التجارب الكورد أن مراكز القرار في بغداد، أياً كان الوجه الأيديولوجي للسلطة الحاكمة، تميل حين تستعيد قوتها إلى فرض الهيمنة والتراجع عن التفاهمات، فمن انتهاك اتفاق 11 آذار 1970، إلى صفقة الجزائر عام 1975، ثم كارثتي الأنفال والقصف الكيميائي لحلبجة، رسّخت هذه المحطات وعياً سياسياً ينظر إلى غياب الضامن الدولي بوصفه جرس إنذار بالخطر على المكتسبات القومية. فالالتزامات المكتوبة تظل حبراً على ورق حين لا تسندها موازين القوى على الأرض.
وعلى الرغم من مرارة هذا الإرث، ظلّت القيادات الكوردية تمدّ يدها للسلام والحوار، ولا سيما بعد عام 2003، حين شاركت في بناء مؤسسات العراق الجديد وصياغة دستوره، واضطلع قادتها، وفي مقدمتهم مسعود بارزاني وجلال طالباني، بأدوار في تقريب القوى العراقية وبناء التوافقات الوطنية.
كما جاءت كلمة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في احتفالية "يوم السيادة" ببغداد، في الأول من تشرين الأول 2026، امتداداً لهذا النهج؛ فظهوره بشارة العلم العراقي على صدره، وإلقاؤه خطاباً بالعربية استمر نحو سبع دقائق، حملا دلالة على مخاطبة العراقيين جميعاً.
على الصعيد الميداني، قد يخلّف انسحاب قوات التحالف فراغاً تتسلل منه المخاطر الأمنية. ففي الحرب ضد داعش التي بدأت عام 2014، قدّم إقليم كوردستان أكثر من 1,800 شهيد و10,000 جريح من صفوف البيشمركة، على جبهة تجاوز طولها 1,000 كيلومتر.
واليوم، يتداخل هذا القلق الأمني مع استمرار عقبة موازنة كوردستان، والتعطيل المتعمد لاستكمال تنفيذ المادة 140 من الدستور. فبقاء هذا الاستحقاق معلقاً، بعد أكثر من عقدين على إقرار الدستور، يعزز لدى الكورد الاعتقاد بأن سياسة فرض الأمر الواقع تتقدم على الحلول القانونية والعادلة. ويتجاوز هذا التعطيل، في الوجدان الكوردي، حدود التقصير الإداري، ليتحول إلى تهديد يعيد إلى الأذهان سياسات التغيير الديموغرافي والاستيلاء على الأراضي الزراعية، ويعمّق الشك في الالتزام بالتسوية الوطنية التي بُني عليها عراق ما بعد 2003.
ويتجلى جانب آخر من المخاطر في نشاط الجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة وأوامرها الرسمية. فقد جعلت هذه القوى الإقليم، عشرات المرات، هدفاً لرسائلها الميدانية وضغوطها، عبر استهداف البنية التحتية الاقتصادية والمطارات ومراكز الطاقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يضعف بيئة الاستثمار ويربك الاقتصاد والوضع السياسي في أربيل.
وتحتل الحماية الدولية موقعاً أساسياً في الحسابات الاستراتيجية لأربيل، بوصفها ضرورة أمنية في المرحلة الراهنة. ولم يكن هذا الحضور، تاريخياً، ثمرة إرادة كوردية أحادية الجانب؛ فقد دفعت السياسات العدوانية لنظام صدام المجتمع الدولي عام 1991 إلى إنشاء "منطقة آمنة" لحماية الكورد، ثم جاء التحالف عام 2014 بناءً على طلب رسمي من الحكومة الاتحادية في بغداد، وبالشراكة مع أربيل. كما شكّل الحضور الدولي خلال العقدين الماضيين أحد عوامل موازنة النفوذ الخارجي في العراق. ومع انحسار مظلته العسكرية، تتزايد المخاوف من اجتماع التضييق الداخلي وضغوط الدول المجاورة، بالنظر إلى الواقع الجيوسياسي لكوردستان بوصفها إقليماً حبيساً.
غير أن تجارب الحماية الدولية تضع القيادة الكوردية أمام حقيقة أساسية: الدعم الخارجي يتغير بتغير المصالح، ولا يوفر ضمانة دائمة. ولذلك، تكتسب هذه المظلة قيمتها بقدر ما تتيح من وقت لبناء ضمانات داخلية، ومعالجة الخلافات، وترسيخ شراكة دستورية تستطيع الاستمرار حين تتبدل المواقف الدولية.
أما الوجه الآخر لهذه المعضلة، فيتمثل في انتقال الضغط من التهديد العسكري إلى التضييق القانوني والمالي، بما يضعف الكيان السياسي لإقليم كوردستان ويهدد بتحويله إلى إدارة محلية مقيّدة، ويفرّغ التجربة الفيدرالية من مضمونها الدستوري. وهو ما يمسّ مبدأ التوافق والشراكة الوطنية، ويفتح المجال أمام تكريس هيمنة الأغلبية.
وفي المقابل، يتحمل الإقليم مسؤولية معالجة مشكلاته الداخلية وبناء استراتيجية أكثر استقراراً لإدارة علاقته ببغداد. فقد أضعفت خلافاته قدرته على الحفاظ على ثقله بصفته "صانع الملوك"، وقلّصت أوراقه في مواجهة اختلال التوازن. لكن مخاوفه لا تعني التنصل من الواجب الوطني، ولا تمثل ورقة للمناورة السياسية أو الانتقاص من هيبة العراق؛ بل تكشف عن اختبار يواجه البلاد وهي أمام فرصة نادرة ومن دون "وصاية الخارج": تحويل السيادة إلى ضمانة لأمن جميع مكوناتها، وترجمة الفيدرالية من نص دستوري إلى شراكة تصون الحقوق وتمنح العيش المشترك أساساً مستقراً.