الكرد وصراع واشنطن وطهران: حسابات الجغرافيا وفرص السياسة

الكرد وصراع واشنطن وطهران: حسابات الجغرافيا وفرص السياسة

نوري بيخالي

2026-03-07T08:48:51+00:00

في خضمّ التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من احتمالات مواجهة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، يبرز السؤال عن موقع القوى الكردية من هذا المشهد المعقّد. وفي هذا السياق، يبدو من المنطقي افتراض أنّ القيادة السياسية الكردية في إقليم كردستان العراق تدرك تمامًا حساسية موقع الإقليم وتعقيدات البيئة الجيوسياسية المحيطة به. فالإقليم يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية كبرى، الأمر الذي يفرض على قيادته السياسية قدرًا عاليًا من الحذر والبراغماتية. ومن هنا، يصعب تصور أن تُقدِم هذه القيادة على الزجّ بالإقليم في حربٍ «لا ناقة له فيها ولا جمل»، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية جسيمة تمسّ استقرار الإقليم ومستقبله.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد الكردي، تبدو معادلة القوى الكردية في شرق كردستان (كردستان إيران) مختلفة إلى حدّ كبير. فهذه القوى تعيش ضمن سياق سياسي وتاريخي مغاير، وتتعامل مع دولة مركزية كانت العلاقة معها، في معظم مراحلها، علاقة توتر وصراع. وفي حال اندلاع مواجهة كبرى بين إيران والولايات المتحدة أو أي تحالف دولي آخر، قد تجد هذه القوى نفسها أمام لحظة مفصلية تفرض عليها اتخاذ موقف واضح. وفي مثل هذه الظروف، قد تُنظر إلى المشاركة في الصراع بوصفها خيارًا مصيريًا، بل قد يراها بعضهم فرضَ عينٍ تمليه اعتبارات الواقع السياسي وطموحات الشعب الكردي في تلك المنطقة.

غير أنّ أيّ انخراط كردي في مثل هذا الصراع لا يمكن أن يكون خطوةً عفوية أو غير محسوبة. فمن الناحية السياسية، من الطبيعي أن تسعى القوى الكردية في شرق كردستان إلى ربط موقفها بأي تحولات محتملة في بنية الدولة الإيرانية. فالتاريخ السياسي الحديث يعلّمنا أن لحظات التحولات الكبرى في الدول غالبًا ما تفتح نوافذ لإعادة صياغة العقد السياسي بين المكونات المختلفة. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقيًا أن تكون مشاركة القوى الكردية مشروطةً بضمان حقوقها السياسية والدستورية في إطار إيران جديدة أكثر تعدديةً وعدالةً في توزيع السلطة والحقوق — إن صحّ التعبير.

وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، يصبح من غير المقبول سياسيًا أو أخلاقيًا أن تحاول أي جهة أو قوة كردية أخرى في بقية أجزاء كردستان فرض رؤيتها أو التدخل في قرار القوى الكردية في شرق كردستان. فلكل ساحة كردية ظروفها الخاصة، ولكل حركة سياسية حساباتها المرتبطة بواقعها المحلي وتوازنات القوى المحيطة بها. ومن ثمّ، فإنّ حقّ القوى الكردية في شرق كردستان في تحديد موقفها من أي صراع إقليمي أو دولي يبقى حقًا مشروعًا، نابعًا من مسؤوليتها المباشرة تجاه شعبها ومستقبل قضيتها.

وفي نهاية المطاف، تظلّ الحكمة السياسية تقتضي التمييز بين تضامن الشعوب وتداخل القضايا من جهة، وبين احترام خصوصية كل تجربة سياسية كردية من جهة أخرى. فالقضية الكردية، على الرغم من وحدتها التاريخية والثقافية، تعيش اليوم في فضاءات سياسية مختلفة، تحكمها توازنات معقّدة لا يمكن التعامل معها بمنطق واحد أو وصفة سياسية واحدة. ولذلك، فإنّ أي مقاربة واقعية للمشهد الكردي في ظل التحولات الإقليمية الراهنة ينبغي أن تنطلق من فهم هذه التباينات واحترامها، بدل السعي إلى تجاوزها أو القفز فوقها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon