الفلسفة الاتحادية في العراق وتحديات الوزارة الجديدة
دیار طیب برواري
يعتقد الكثير من المواطنين العراقيين ان الاعلان عن الدستور العراقي و التصويت له في 2005 هو نهاية المشاكل المرتبطة بالنظام السابق و انها البوابة التي سوف تدخل الرفاهية و التنمية الى البلد، بينما الدستور هو الارضية التي تسير عليها الدولة، نحو تحقيق الاهداف الاستراتيجية و رؤى الدولة. و هذا يوجب ان يتم ترجمة الروح الحقيقية للدستور الاتحادي الى قوانين و انظمة تستوجبها المرحلة.
كانت لجنة كتابة الدستور، و التي تكونت في عام 2005 من (55) شخص، قامت بعرضه على المجلس الانتقالي للدولة و تحول لاحقا الى استفتاء شعبي نال رضى العراقيين في منتصف تشرين الاول 2005 . لكن ما نساه اعضاء هذه اللجنة التي توقف عملها و عاد كل منهم الى عمله السابق و ابتعدوا عن الواجهه التشريعية للبلد بعد ان تم انتخاب اعضاء مجلس النواب، و التي كان يعتقد انهم سوف يتولون المسؤولية و يكملون ما بدأه السابقون و يحولون بنود الدستور الى قوانين، لكي تظهر البنى الهيكلية للدولة الاتحادية، كما كان يتوقع من الكتل السياسية ان تعمل كمظلة راعية، لتحقيق هدف تعديل او الغاء القوانين السابقة و التي كانت مشرعة لترسيخ الدولة المركزية الشمولية. لكن ذلك لم يحدث و لم تتمكن الدورة الاولى من مجلس النواب من تشريع المواد الدستورية الواجبة التشريع خلال تلك الدورة.
و هذا التقصير أدى الى موجات متوالية من الاحتقانات السياسية و الادارية و الامنية في دولة العراق، و كانت سببا في الكثير من الاستقطابات القومية و المذهبة ، و ابتعد العراق عن مبدأ المواطنة و تطبيق اسس الديمقراطية التي حلم بها العراقيون بعد تغيير النظام.
يعتقد بعض الساسة و كذلك الاعلاميين ان العقبة الوحيدة في البناء الاتحادي في العراق هو الاشكالية التي تظهر على السطح بين الحكومة الاتحادية و حكومة اقليم كردستان العراق !، لكن ذلك غير صحيح، بل هو توجيه الرأي العام من قبل بعض القوى السياسية التي فشلت في احداث النقلة الايجابية التي توقعها الناخبون في دولة العراق بعد ان ساد التعدد الحزبي و التبادل السلمي للسلطة. و ظهرت وجوه جديدة على الساحة السياسية و الحكومية في العراق.
للتوضيح فإن النباء الاتحادي للعراق ليس محصورا بإقليم كوردستان، بل ان الاقليم جزء من الروح السائدة على الدستور، و هي اللامركزية الادارية و المالية، و هذا ما يجب ان نذكره في هذا المقال. ان التوزيع في الصلاحيات الادراية و المالية بين طبقات الدولة العراقية تشمل العاصمة و الاقليم و المحافظات و الاقضية و النواحي، ان هذا البناء يستهدف الحجر الاساسي في الدولة و هو المواطن، و ان يستطيع ان يبنى البلد من خلال المشاركة الديموقراطية الاختيارية و التصويت للشخص المناسب و الجهة المناسبة ، لقد كان للمواطن دور في هذا الهرم الذي يبدأ من :
- الناحية و استقلالها الاداري و تطبقيها لصلاحيتها الدستورية و القانونية ،
- ثم تاتي الاقضية و التي يتوجب عليها ان تمارس ايضا صلاحياتها و لا تكون جزء من مؤسسة مرتبطة بالحكومة الاتحادية او وزارة الداخلية، لان ذلك سوف يشكل انحناءا في مسيرة الدولة الاتحادية،
- ثم لاحقا تاتي سلطات المحافظات و التي لا تقل عن السلطات الموجودة في الوزارات الاتحادية و ان يتمتع المحافظ بهذه الصلاحيات ضمن نطاق المحافظة الجغرافي. و ان يتولى المسؤولية بشكل كامل و غير ناقص او مشوه. و هي الحال في الاقليم ايضا.
كل هذا من جهه و من جهه أخرى نذكر بان الارضية القانونية التي توفر هذا التوزيع في تولي المسؤولية الادارية و المالية متوفر، حيث يتوفر شرط التوجيه و المراقبة ( مجالس الاقضية و مجالس المحافظات و برلمان الاقليم ) كما ان ما يصدر من هذه المجالس يجب ان ينفذ من قبل الادارات المحلية ( الدوائر في المحافظات و الوزرارات في الاقليم). ، يبقى ان نشير الى ان الاقليم يختلف عن المحافظات في مجال السلطة القضائية حيث يتمتع بسلطة قضائية كامله ( مجلس القضاء في الاقليم) و هو ما لا تملكه المحافظات و الاقضية، حيث هي مرتبطة بمجلس القضاء الاتحادي.
الان نركز على دور الحكومة الجديدة ( الكابينة الوزارية برئاسة السيد علي الزيدي) حيث ان هناك فرقا بين المنهاج الحكومي وفقرات البرنامج الذي ستحاول الحكومة تطبقه في فترتها، و بين تطبيق اسس الدستور في مجال التشريع، و هو أمر يعتمد بشكل اساسي على القوى السياسية التي شكلت الحكومة و التي تسيطر على مقاعد مجلس النواب و التي تضمن الاصوات اللازمة لتمرير أي قانون.
من هذا المنطلق فان الحكومة غير ملزمة ان تشرع قوانين مرتبطة بشكل رئيسي بتنفيذ مواد و فقرات الدستور دون ان يكون هناك توافق سياسي شامل، لكن هذا الشرط يضعف و يقل عند التحدث عن قوانين غير مرتبطة بالمواد الدستورية بل مرتبطة بتنفيذ البرنامج الحكومي الخدمي و الاستثماري. من هنا نستطيع القول ان الانتهاء من البناء الدستوري الاتحادي للدولة هي مسؤولية القوى السياسية التي شكلت الحكومة.
نعود الان لنذكر باهم القوانين الواجبة التشريع و التي اهملتها الكيانات السياسية بتعمد خلال الفترات النيابية السابقة :
1- تأسيس مجلس الاتحاد، المادة 65 من الدستور, حيث ان البنية التشريعية في العراق تستند على مفصلين ( مجلس النواب و مجلس الاتحاد) و عدم وجود مجلس الاتحاد هو ليس فقط خرقا للدستور بل هو طعن في التشريع الممارس و النافذ.
2- قانون النفط و الغاز و الذي كان من المفروض ان يتم التصويت عليه خلال الدورة الاولى. حيث فشلت كل الدورات النيابية السابقة في تشريعه على الرغم من انها كانت ضمن البرنامج الحكومي في كل الحكومات السابقة.
3- تفعيل الهيئة العامة (المستقلة) لضمان حقوق الاقليم والمحافظات، التي تأسست وفق القانون رقم 26 لسنة 2016 اعتمادا على المادة 105 من الدستور، حيث تهدف إلى ضمان مشاركتها العادلة في إدارة مؤسسات الدولة الاتحادية، والبعثات، والزمالات الدراسية، والوفود، والمؤتمرات.
4- تفعيل الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، التي تاسست بموجب القانون رقم 55 لسنة 2027 وفق المادة 106 من الدستور.
5- الانتهاء من تطبيق مراحل المادة 140 من الدستور التي اخذت الكثير من الوقت و الجهد و سببت الكثير من الازمات للدولة الاتحادية و حكومة الاقليم.
يبقى ان نذكر ان العراق يحتاج الى سياسة وطنية موحدة و تعتمد ميثاقا بين القوى السياسية لتجاوز مربع ما بعد الدستور و تشريع ما هو واجب التشريع دستوريا، و تأسيس دولة مواطنة و دولة مؤسساتية حقيقية تخدم المواطن و تتبني اسس التنمية المستحقة، فهل ان هذه الامور و تشريع هذه القوانين سوف تخدم كابنة السيد علي فالح الزيدي ام ستشكل حجر عثرة في طريق برنامجه الحكومي ؟