الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
د. جوتيار تمر
يشهد إقليم كوردستان لحظة اختبار حقيقية تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع عواصف اقليمية متسارعة، فالإقليم لم يعد يتعامل مع ازمة عابرة، بل مع بيئة سياسية وامنية مفتوحة على احتمالات خطرة، تمتد من طهران الى انقرة وتلامس واشنطن وتل ابيب، وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي الصمود الخطابي- الشعاراتي-، بل تتطلب المرحلة اعادة قراءة دقيقة لمعادلة الامن والسياسة معا.
داخليا، تكشف الهجمات المتكررة على اربيل والبنية التحتية الحيوية عن خلل مستمر في العلاقة مع الحكومة الاتحادية في العراق، استهداف منظومات الطاقة لم يعد حادثا معزولا، بل تحول الى اداة ضغط واضحة، والاخطر ان التجربة ليست جديدة، فقد تعرضت منشآت الطاقة سابقا لضربات من إيران او من فصائل مرتبطة بالحشد، ومع ذلك لم يتم تحصين هذا القطاع بالقدر الكافي، النتيجة ان السيناريو تكرر، وغرقت غالبية مدن الاقليم في الظلام خلال الايام الماضية، في مشهد يعكس ان معالجة الاسباب لم تكن بحجم التحدي.
اقليميا، يمتد الصراع بين ايران وإسرائيل الى ساحات قريبة، ما يضع كوردستان في دائرة مخاطر لا تتحكم بكل معادلاتها، وفي هذا السياق يبرز ضعف الموقف العربي بوضوح، اذ ترتفع حدة الخطاب حين يتعلق الامر بالقضية الكوردية، بينما تكتفي بعض العواصم ببيانات تنديد حين تتعرض لهجمات تمس سيادتها مباشرة، مع تكرار الحديث عن حق الرد دون ترجمة عملية، هذا التباين بين الخطاب والفعل لا يعكس خللا في موازين القوى فقط، بل ازمة في الارادة السياسية ذاتها.
التجربة في سوريا اثبتت ان الفراغ الامني والسياسي لا يبقى فارغا طويلا، بل تملؤه قوى متشددة تستثمر الانقسام والتوتر، والعراق ليس بعيدا عن هذا الاحتمال اذا استمرت دوامة الاستقطاب، خصوصا في بيئة مذهبية قابلة للاشتعال وتوازنات خارجية متقلبة.
ويقف الاقليم اليوم بين اذرع ايرانية فاعلة وحضور تركي مراقب، فيما يبقى دور الولايات المتحدة مرتبطا بحسابات اوسع من حدود العراق، التهديدات متعددة: صواريخ من الخارج، ميليشيات في الداخل، وثغرات بنيوية في بعض الملفات الحساسة، وفي مقدمتها امن الطاقة.
ان الرهان الحقيقي لا يكمن في انتظار تبدل المواقف الاقليمية، بل في اعادة ترتيب الاولويات داخليا، وتنويع العلاقات خارجيا، وتعزيز الموقع التفاوضي في بغداد ضمن اطار الدولة الاتحادية، فالاستقرار لا يصنعه الحلفاء وحدهم، بل تصنعه القدرة على التعلم من الاخطاء قبل ان تتحول الى ازمات متكررة.
كوردستان اليوم امام خيار واضح: اما الانتقال من سياسة رد الفعل الى بناء منظومة حماية استراتيجية تحصن الداخل وتوازن الخارج، او البقاء في دائرة ازمات تعاد بصور مختلفة، وفي منطقة تموج بالصراعات، لا يكون الظلام مجرد انقطاع كهرباء، بل اشارة تحذير الى ان زمن المجاملات السياسية قد انتهى.