الزلازل قد تهد القصور، ولكنها لا تهد السلطة

الزلازل قد تهد القصور، ولكنها لا تهد السلطة

بدر اسماعيل شيروكي

2023-06-06T13:27:33+00:00

بدر إسماعيل شيروكي/ كان من المتوقع أن يؤدي الزلزال الذي بلغت قوته 8 درجات على مقياس ريختر، والذي دمرّ مساحة كبيرة من المدن والقُرى التركية وتسبب في مأساة غير مسبوقة في تاريخ تركيا الحديث، إلى نشر إرتداداته في العملية السياسية والتسبب في تبادل الأماكن في القصر الرئاسي التركي. لكن ذلك لم يحصل؛ بل ان ساكني القصر احكموا على الكرسي بشكل اقوى من ذي قبل.

لا شك أن رجب طيب أردوغان هو نوع من القادة والسياسيين في العالم الذين وصلوا إلى ذروة السلطة من خلال الأُسس الديمقراطية والقيم الإنسانية وأساليب النضال للعالم الليبرالي والأساليب الحديثة في النضال والتنافس المدني من أجل تحقيق وضمان القوة والسلطة السياسية. أردوغان تحمص ونضج في المطبخ الساخن لبلد أدى فيه جنرالات الجيش منذ فترة طويلة دوراً حاسماً، حيث أبقوا النار تحت وعاء السياسة وإدارة البلاد مشتعلة وخطيرة وغير مستقرة.

كانت مكانة أردوغان وثقته بنفسه وعمله الميداني في ذلك الوقت أقوى من أي وقت مضى على مسرح السلطة السياسية لتركيا، والتي ، بفضل قوته الشعبية في مواجهة ثورية، هزمت انقلاب عام 2016 ووجهت بنجاح إمكانات الشوارع ضد إرث عقلية الانقلابات. منذ تلك الفترة فصاعدا، أصبحت هيمنته وشموليته واضحتين تماما وأصبح قائدا خارج الإطار القانوني للحكم السياسي والإجراءات الحديثة والديمقراطية، وقاد طريق التغيير في سياسة تركيا الشعبية والليبرالية نحو الديكتاتورية الفردية وبنى أُسسا متينةً للتوسع الحديث وثبت أركانه.

الآن، بعد سبع سنوات من الانقلاب والمرور بدورة صعود وهبوط وعبور عدة مراحل صعبة، أردوغان تلك الشخصية التي كانت على وشك الانكسار والفناء الحتمي، أصبح الآن أعلى وأقوى من رئيس عادي، عاد لقمة السلطة لمدة خمس سنوات أخرى لبلد صاغ ونظم فيه جميع القوانين والأعراف والإستراتيجيات الخاصة بإدارة الدولة مستندا الى نظرته للعالم ورؤيته السياسية، لذلك ، يبدو أنه في هذه السنوات الخمس، سيضيق الخناق ويُقولب كل فضاءات وآفاق وأبواب الحرية، أمام المعارضة والإعلام الحر والرأي، بما يتوافق وتأمين مصالح ومستقبل حزبه وتوقعات الإسلام (الموروث) داخل البلاد وتيار الإسلام السياسي الحليف له خارج الحدود.

يبدو أن تجربته كرئيس لبلدية اسطنبول من 1994 إلى 1998 قد أدت دورا أساسيا في تشكيل خطط السيد أردوغان الفكرية والاستراتيجية، في الصراع والخصام واستبعاد خصومه من ميدان المنافسة السياسية. فمثلما اعتبر قرار تنظيف شوارع وأحياء المدينة خلال فترة رئاسة البلدية، من القمامة والمواد الزائدة غير المرغوب فيها، واجبا وطنيا مقدسا ، يبدو أنه خلال فترة الرئاسة الجديدة، وبنفس الشكل ، فإنه سيعتبر تنظيف الفضاء السياسي وطريق السلطة من المعارضة وكل من يخالف رؤيته وسياساته واستراتيجياته لإدارة الدولة، أيضا واجبا وطنيا مقدسا، و سيزج بالسجن كل صوت لا يتفق مع صوت ولون السلطة اذ يعدهم مثل اية حاجة زائدة غير مرغوب فيها يشكلون تهديدا لمصالح الدولة والأمن القومي.

صحيح ان أردوغان قد عاد إلى ادارة جانكايا (المجمع الرئاسي وسط انقرة) بأغلبية الأصوات، وهو عمل ديمقراطي فوضه الشعب بذلك، لكن بعد عام 2015 لم يكن أردوغان في استخدامه ثقل ومكانة وقراره الشخصي يتصرف أبدا كرئيس محاصر ومكبل اليدين بالقانون، بل كزعيم لا يعرف حدودا على المستوى المحلي، وحتى خارج الحدود الجغرافية لتركيا، أعلى وأكثر اطلاقا، فقد قام بتحركات عسكرية وخطط سياسية غير متوقعة.

سبح ضد موجات الهيمنة العالمية والسياسة المهيمنة، سواء اكان مصدرها في بروكسل أم الولايات المتحدة أو الشرق، وامتطى حصان أحلامه التاريخية وسار به الى الأمام. تركيا تحت إدارة أردوغان ، بتاريخها وسياساتها وإدارتها وأيديولوجيتها وسلوكها، اجتازت مرحلة سيطرة العسكر ودخلت إلى جغرافية الدول المستقلة والسعي وراء المصالح المهضومة، وفضلاً عن تقديم نفسها كقوة مستقلة في منطقة نصف شرقية ونصف غربية بحيث لها قدم في فردة (بسطال) حلف الناتو ، وقدم أُخرى في الحذاء النسيجي الشرقي، فترقص كعلماني في المراقص وتؤذن في المساجد بكل خشوع وايمان، واردوغان بذلك خارج الخيال والتاريخ وأرشيف قرن ماض لتركيا، مختلف عن كل الرؤساء والحكام السابقين.

قام أردوغان بكل دقة ومهارة ومصلحية بدمج تفرد حديث ومزخرف مع الشعور القومي التركي والتيار الإسلامي الموروث وصاغ وبنى منها نموذجا جديدا لنظام إدارة الدولة، وبالتالي إيجاد موقع استراتيجي جديد لتركيا. لقد تحوّلت تركيا أردوغان من لاعب إقليمي عادي إلى لاعب مهم ومؤثر وحاسم في ديناميكيات وأمن الشرق الأوسط بشكل عام.

رغم كل هذه النقاط ، هناك عدد من العقبات الواقعية أمام الدولة التركية الجديدة ، منها:

ثقل القضية الكوردية ، وخلال مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية، وفضلا عن جانبها المسلح، تم فتح الطريق أمام النضال السياسي والمدني والبرلماني، ويبدو انه سيقرع أبواب الانفتاح أمام إيجاد حل سياسي في تركيا في السنوات المقبلة.

هدف تركيا الاستراتيجي المتمثل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وهو الحلم الأبدي للشعب التركي، هو محاولة التكيف مع المبادئ الإنسانية للاتحاد. إعادة هيكلة القاعدة الاقتصادية لتركيا ، ورفع قيمة العملة الوطنية وتحقيق التوازن بين نفقات الجيش وتوسيع الأنشطة المكلفة خارج تركيا، مع انهيار الاقتصاد المحلي وتراجع مستويات المعيشة للمواطنين الأتراك ، لا تزال أحلام الرئيس أردوغان التاريخية في إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية تنمو وتتقدم بقوة أكبر.

ومن أجل فهم أفضل لمعتقدات الرئيس الراسخة والتزامه بقضية هيكلة التاريخ الماضي للأمة التركية، نشير إلى حفل الترحيب برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ، الذي أقيم في عام 2015 في المبنى الجديد. القصر الجمهوري. في الحفل ، تم إحضار 16 جنديا حاملين نياشين ومرتدين ازياء 16 دولة و امبراطورية تتحدث التركية.

إمبراطور هون (منغوليا) إمبراطور هون الغرب، إمبراطور هون أوروبا. إمبراطور الهون الأبيض. (هفتالين أفغانستان) أتراك سماويون (الأتراك الرحل في سيبيريا) اللاجئون (في جنوب شرق أوروبا) الخزر والأويغور (في شرق الصين) القرخانيون (في آسيا الوسطى) الغزنويون والسلاجقة والخارزمشاهيين والمخيم الذهبي (الجزء الشمالي الغربي من الإمبراطورية المغولية) إمبراطور تيمور، (الغوركانيين) في الهند والإمبراطورية العثمانية.

أنا لا أرى أنها فكرة غريبة وخارجة عن المألوف أن الفرد المهيمن والمستبد برأيه مثلما يمكن أن يشكل تهديدا، ففي ظروف اخرى إذا كنا نؤمن بـ(السروش) وتناسخ الأرواح، فيمكن أن تكون أيضا فرصة لاتخاذ قرارات حاسمة، بصرف النظر عن ردود فعل التيارات ووجهات النظر والآراء المختلفة.

ترجمة: ماجد سوره ميري

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon