كيف أصبحت كوردستان شمال العراق؟

كيف أصبحت كوردستان شمال العراق؟

بدر اسماعيل شيروكي

2026-05-17T18:59:01+00:00

بدر إسماعيل شيروكي/ لماذا يحلُّ مصطلح "شمال العراق" محلَّ الاسم التاريخي والجغرافي لـ"كوردستان" في الأدبيات السياسية والأوساط الشعبية في الشارع العراقي بكل هذه السهولة؟ هل هذا التوصيف هو مجرد دلالة جغرافية طبيعية عفوية، أم هو نتاج المختبر اللغوي للسلطات المركزية التي حاولت منذ 1922 صهر الهوية القومية والثقافية لمكون رئيس في هذه البلاد؟ 

هذا السؤال بحاجة الى التعمق والتأمل الموضوعي. فإذا نظرنا إلى القضية وفقا للخارطة السياسية لما بعد الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو، فلاشك ان كوردستان تقع في القسم الشمالي لكيان يطلق عليه اسم العراق. ومن هنا فإن استخدام مصطلح "الشمال" من قبل مواطن عادي في الوسط والجنوب قد يشير فقط الى اتجاه جغرافي من دون أية نوايا سياسية. ولكن عندما نتأمل لغة صناع القرار والسياسيين في بغداد عبر التاريخ العراقي الحديث، فإن الحكاية تتغير بشكل كامل. فهنا نحوّل اللغة إلى أداة سياسية حاسمة! فلن يكون استخدام "الشمال" بدلا عن "كوردستان" من قبل أصحاب السلطة استخداما غير عادل وغير بريء من حيث النوايا.

ان السياسة في العراق القديم، كانت تدار تحت ظل نظام شمولي وسلطة مركزية مطلقة ومتفردة، لم تكن تعرف الإنسان والقوميات إلا من خلال الخطوط الأمنية والخرائط العسكرية فقط. ومن هذا المنظور فإن الكورد كقومية وكوردستان كأرض، ينظر إليهما كمجرد ملحق من دون روح وهما يتبعان للسلطة المركزية. فكان الاعتراف بالهوية الاصيلة للقومية والثقافة الخاصة بالمنطقة يمثل بنظرهم خطراً على شرعية دولة الحزب الواحد، لذلك كانوا يسعون دائماً لتشويه هذه الحقائق التاريخية وطمسها.

في الحقيقة، ان حكام بغداد خلال قرن كامل من الزمان، لم يفشلوا في تهيئة ارضية صحية للتعايش السلمي للمجتمع المتنوع المشارب فحسب، بل حولوا خطوط الحدود على الخارطة خنادق نارية لتعميق الفرقة والعداء بين القوميات والمذاهب والمكونات. وترك هذا الخطاب الانقسامي، جرحا تاريخيا غائرا إذا لم تتم معالجته اليوم بالإرادة الوطنية الجديدة وبعيدا عن العقلية القديمة، فإنه سيكون سببا لاستمرار الصراعات وانعدام التفاهم للأجيال اللاحقة ايضا.

لقد حان الوقت الذي يتوجب على المواطنين والسياسيين العرب في العراق أن يدركوا الحقيقة الثابتة التي تؤكد أن وجود وتاريخ كوردستان لم يبدأ مع رسم خارطة الدولة العراقية.

ان "اقليم كوردستان" ليس مسمى اداري او اصطلاحا جامدا في الدستور الجديد، بل كيان اتحادي (فيدرالي)، وهوية لمجتمع يعيش على هذه الارض منذ الاف السنين. مجتمع له تاريخ زاخر بالتضحيات، لكنه اليوم لفظ عقلية "الضحية" ويتهيأ لمرحلة جديدة من الإعمار والتعايش والتوازن وقبول الاخر. 

ومن أجل بناء وترسيخ عراق مستقر، يتوجب على الحكومة الاتحادية الاعتراف بهذه الحقيقة في توجيهاتها واعلامها وادبياتها السياسية، بأن هذه المنطقة ليست مجرد "قطعة ارض في الشمال"، بل موطن تاريخي لامة اصبحت بفعل المتغيرات التي حصلت بعد عام 1922، شريكا رئيسا في هذا البلد.

في العهد الجديد، فإن مأسسة الفيدرالية واحترام اللغة الرسمية والخصوصيات القومية لن تضعف العراق، بل تقوّي أُسس الوحدة الطوعية والحقيقية بشكل اكبر. مثلما لم يتسبب تثبيت اسم "اقليم كوردستان" في الدستور في حصول اية كارثة او انقسام ، بل أصبح جزءا من الثقافة السياسية الحديثة التي يجب أن تنعكس في وجدان المجتمع ومؤسسات الدولة على حد سواء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon