التحرش في العراق من "حالات فردية" إلى "ظاهرة منسقة"

التحرش في العراق من "حالات فردية" إلى "ظاهرة منسقة"

صادق الازرقي

2026-01-05T11:19:44+00:00

القانون الغائب والشارع المنفلت: التحرش في العراق من "حالات فردية" إلى "ظاهرة منسقة"

لم يكن مشهد عشرات المراهقين وهم يطاردون طفلة قاصرا في مكان عام بالبصرة مجرد حادثة عابرة أو سلوكا طائشا لشباب لم يدركوا عواقب أفعالهم، بل كان بمنزلة إعلان وفاة للأمان المجتمعي وناقوس خطر يدق فوق رؤوس الجميع.

يقف المجتمع العراقي أمام تساؤل مرير: هل تحولت شوارعنا إلى غابة تشرعن التحرش بالصمت؟ وكيف يتحول "القانون" من سيف مسلط على رقاب الجناة إلى مجرد نصوص جامدة لا تحمي طفلة من تنمر ووحشية الجموع.

إن ما حدث في البصرة، وما يتكرر يوميا في الأسواق والساحات العامة، ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو النتيجة الحتمية لبيئة أمن فيها المعتدي من العقاب؛ فحين يغيب الردع القانوني وتتراخى القبضة الأمنية عن حماية الفئات الأكثر هشاشة، يتحول الشارع من مساحة عامة للمواطنة إلى "ساحة صيد" مفتوحة، تنتهك فيها كرامة النساء والفتيات تحت أنظار الجميع؛ أن ما حدث هو جرس إنذار حقيقي يعكس خللا بنيويا يتطلب وقفة جادة من المجتمع والدولة على حد سواء و هو اعتداء على ضمير المجتمع العراقي بأكمله، ومواجهته تبدأ برفض التسويغ للمتحرشين تحت أي ظرف.

إن تحليل هذه الظاهرة يتطلب النظر إليها من زوايا متعددة فالدوافع، ترتبط بحسب الدراسات النفسية بما يسمى "عقلية القطيع" فعندما يتواجد المراهقون في مجموعات كبيرة، يقل لديهم الشعور بالمسؤولية الفردية، يظن المراهق أن الجميع يفعل ذلك، مما يمنحه شعورا زائفا بالأمان من العقاب والتواري خلف الجماعة.

و في مرحلة المراهقة، يبحث الشاب عن "البطولة" أو لفت الانتباه، و في ظل غياب القدوة الصالحة، يتحول التحرش إلى وسيلة مريضة لإثبات "الفحولة" أو السيطرة أمام الأقران، كما ان انشغال الأهل أو غياب الرقابة الواعية أدى إلى نشوء جيل يستقي قيمه من الشارع أو من المحتوى الهابط على وسائل التواصل الاجتماعي.

و نتيجة لسنوات من الحروب والتوترات، أصبح العنف سواء اللفظي أو الجسدي جزءا من المشهد اليومي في العراق، مما قلل من حساسية الشباب تجاه معاناة الآخرين، وما تزال هناك رواسب ثقافية تنظر للمرأة (و القاصر) كحلقة أضعف، أو كموضع استباحة في الأماكن العامة، بدلا من كونها مواطنة لها حق الحماية الكاملة.

يعاني كثير من الشباب في المحافظات من انعدام الأماكن الترفيهية، الرياضية، أو الثقافية التي تفرغ طاقاتهم بشكل إيجابي، مما يحول التجمعات العفوية في الشوارع إلى بؤر للمشكلات.

وللمواجهة يجب فورا، تفعيل قوانين صارمة ضد التحرش والاعتداء على المرأة والقاصرين، وتطبيقها علنا ليكون المعتدي عبرة لغيره، و نشر دوريات الأمن المجتمعي في الأماكن المكتظة وتزويد الشوارع بكاميرات مراقبة عالية الدقة؛ وفي مجال التعليم يتوجب إدخال مفاهيم التربية الأخلاقية، واحترام الخصوصية الجسدية و حقوق الإنسان كمواد أساسية.

وفي الإعلام يجب التوقف عن تمجيد الشخصيات العدوانية في المسلسلات، وإطلاق حملات توعية وطنية تشارك فيها الشخصيات المؤثرة ورجال الدين المعتدلين لتجريم هذه الأفعال اجتماعيا وأخلاقيا. يجب أن تدرك العائلات أن تربية الأبناء لا تقتصر على المأكل والمشرب، بل في غرس قيم الشهامة وحماية الضعيف واحترام المرأة كأولوية قصوى.

يجب الاستثمار في مراكز الشباب، الملاعب، والورش الفنية، فالشاب الذي يمتلك هدفا أو هواية يفرغ فيها طاقته نادرا ما يلجأ للسلوكيات الانحرافية في الشارع، وكثير منا عايش التصرفات الإنسانية السليمة في سبعينات القرن الماضي حينما كان الشاب مشغولا بشتى الأمور الحياتية و الاجتماعية التي تنظم سلوكه.

تعتمد المجتمعات التي حققت خطوات متقدمة في الحد من ظواهر التحرش والاعتداء الجنسي على استراتيجية متعددة الأبعاد لا تكتفي بالعقاب فقط، بل تعمل على تغيير البنية الفكرية والبيئية التي تسمح بوقوع هذه الجرائم.

في المجتمعات المتقدمة، يبدأ الردع من المدرسة، اذ يجري تعليم الأطفال والمراهقين مفهوم "الحدود الجسدية" و الموافقة المتبادلة، و تعليم الشباب أن أي تواصل جسدي أو لفظي من دون موافقة صريحة وواعية هو اعتداء، وليس "مزاحا" أو "إعجابا".

ويجري التركيز في المناهج على أن المسؤولية تقع بنسبة 100% على المعتدي، مهما كانت الظروف أو لباس الضحية، لإنهاء ما يسمى بـ "لوم الضحية"؛ ويجري تغيير القوانين لتجعل من عملية التبليغ عن المتحرشين تجربة أقل صدمة للضحية، وتتواجد وحدات شرطة متخصصة معززة بعناصر نسائية ومدربين نفسيين لاستقبال البلاغات، لضمان عدم تعرض الضحية للإهانة أو الترهيب عند التبليغ، و توفير آليات للتبليغ المجهول أو السري لحماية سمعة الضحية وحياتها الخاصة، مما يشجع كثيرين على كسر حاجز الصمت.

وان أي شكوى تحرش في العمل أو الجامعة تؤدي فورا إلى تحقيق داخلي مستقل، وقد تنتهي بالفصل الفوري حتى قبل وصول القضية للمحاكم، ويلزم الموظفون والطلاب بحضور ورش عمل دورية بشأن كيفية التعرف على التحرش والتصدي له.

ويجري توفير إضاءة قوية في جميع زوايا الأماكن العامة، ونشر كاميرات مراقبة مرتبطة بغرف عمليات ذكية، و توفير تطبيقات حكومية رسمية تتيح للضحية إرسال موقعها وتنبيه صوتي للشرطة بمجرد شعورها بالخطر.

وبدلا من وقوف الناس للتفرج أو التصوير، تطلق هذه المجتمعات حملات لتدريب السكان على كيفية التدخل فورا بأمان عند رؤية حالة تحرش، وتعليم الناس طرقا ذكية لقطع عملية التحرش من دون الدخول في عراك جسدي، مثل مقاطعة المعتدي بسؤال عن الطريق أو افتعال ضجيج، و خلق ثقافة مجتمعية تجعل المتحرش يشعر بأنه منبوذ ومراقب من قبل الجميع، وليس فقط من قبل الشرطة.

الفرق الأساسي في المجتمعات المتحضرة هو انتقال التحرش من كونه مشكلة أخلاقية فردية إلى كونه "جريمة ضد السلم المجتمعي" تستنفر لها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني معا.

لمواجهة ظاهرة مثل "التحرش الجماعي" في بيئة حساسة مثل البصرة أو أي محافظة عراقية، يجب أن تكون الحملة ذكية، شجاعة، وتخاطب القيم الأصيلة لتفكيك السلوكيات الدخيلة، و التحول من الدفاع عن الضحية فقط إلى تجريم وتحقير فعل المتحرش، يجب أن تخرج الرسالة من سياق الوعظ إلى سياق الكرامة والقانون، مع العلم ان هناك المادة 400 في قانون العقوبات العراقي (رقم 111 لسنة 1969 المعدل)، تجرم التحرش وتفرض عقوبات بالسجن والغرامة على المتحرش، كما يتوجب كشف وجهه وفضحة عن طريق التلفزيون ووسائل الاعلام، ليكون عبرة.

ومن الضروري مع تواجد العرف العشائري في العراق التواصل مع شيوخ العشائر و رجال الدين و نشطاء التواصل الاجتماعي في البصرة لإصدار بيانات أو مقاطع فيديو موحدة تستنكر هذه الأفعال وتعدها خروجا عن قيم المدينة، و تحديد المناطق التي تتكرر فيها هذه الحوادث ومطالبة المحافظة بتحسين الإضاءة فيها ووضع كاميرات مراقبة مرتبطة بالأمن، و خلق رأي عام يمنع التوسط للمتحرشين أو الإفراج عنهم، و نشر أرقام الهواتف والخطوط الساخنة للشرطة المجتمعية، وتأكيد سرية المعلومات.

يجب اشراك المجتمع في مجابهة المتحرشين مع الحذر من تحول الغضب الشعبي إلى "عدالة غوغائية"، بضرب المتحرشين حتى الموت أو التشهير بهم من دون قانون؛ الهدف دائما هو سيادة القانون وإصلاح المنظومة الأخلاقية، وليس خلق فوضى بديلة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon