فواتير على "خطوط الوهم": حين تسبق العدادات الضوء إلى منازل البغداديين

فواتير على "خطوط الوهم": حين تسبق العدادات الضوء إلى منازل البغداديين

صادق الازرقي

2026-02-18T16:50:19+00:00

في أزقة بغداد المنسية، وبين ركام العشوائيات التي نمت بجهد سكانها لا بتخطيط دولتهم، يرتسم مشهد سريالي يختصر حكاية الكهرباء في العراق؛ أسلاك متشابكة كخيوط العنكبوت تمتد لمئات الأمتار، محولات اشتراها الجيران بعد يأس من الوعود، ومولدات أهلية باتت هي 'الوزارة البديلة' التي تستنزف الجيوب.

وسط هذا الضياع الخدمي، تطل الحكومة اليوم بمشروع 'العدادات الذكية'، في خطوة تظهر وكأنها تضع العربة أمام حصان عاجز؛ ففيما يعاني الناس في مناطق شاسعة من غياب الشبكة النظامية أصلا، تهرع الجهات المعنية لتثبيت مقاييس الجباية، وكأنها تطلب ثمنا لخدمة لم تقدمها، وتفرض ضريبةً على 'تجاوزٍ' لم يكن إلا خيار المضطر للنجاة من الظلام.

هذه المفارقة بين 'ذكاء العدادات' و'غباء التجهيز' ليست مجرد خلل فني، بل هي ذروة أزمة الثقة؛ فكيف تستقيم دعوات الجباية والخصخصة في مدن لا زال سكانها هم من يمدون الخطوط، ويصلحون الأعطال، ويشترون الضوء بمالهم الخاص؟ هل نحن أمام سعي حقيقي لتنظيم الطاقة، أم أمام 'خصخصة للعجز' تشرعن جباية الأموال من بيوت لا يزورها التيار إلا لماما؟ 

تظهر الفجوة كبيرة بين طموحات الحكومة "الرقمية" في العراق والواقع الخدمي المتهالك، هذا التناقض بين نصب العدادات الذكية واستمرار انقطاع التيار يمثل ذروة أزمة الثقة بين المواطن والدولة.

ترى وزارة الكهرباء أن نصب العدادات الذكية (المقاييس) ليس "رفاهية"، بل هو وسيلة لتقليل الهدر فالحكومة تزعم أن الربط العشوائي (التجاوز) يستهلك أكثر من 50 % من الطاقة المنتجة، وان العدادات تجبر الناس على الترشيد.

 الوزارة تعاني من عجز مالي وتريد تأمين مبالغ الجباية لإجراء الصيانات، معلنةً أن نصب هذه العدادات سيكون مجانا في محاولة لامتصاص غضب الشارع، وقد تمهد الطريق للخصخصة، اذ لا يمكن لشركات القطاع الخاص أن تدخل كمستثمر من دون تواجد نظام دقيق لاستحصال الأموال، لذا العداد هو "حجر الزاوية" لهذا المشروع.

وقد طبقت إجراءات الخصخصة في بعض المناطق، غير ان تلك المناطق بخاصة في محافظة واسط ومناطق في بغداد شهدت احتجاجات نبعت من أسباب واقعية ومنطقية بنتيجة غياب الخدمة الأصلية فالمواطن يتساءل: على ماذا سأدفع والجباية تصلني قبل الكهرباء؟  

في مناطق بغداد غير النظامية (التجاوز والزراعي)، يعتمد الناس على جهدهم الذاتي لمد الأسلاك، وعندما تأتي الدولة لتنصب عدادا، يراها المواطن شريكا في الربح لا شريكا في الخدمة.

ان تجارب الخصخصة السابقة أثبتت أن الشركات تهتم بالجباية فقط، ولا تلتزم بتطوير الشبكة أو صيانة المحولات، مما يجعلها مجرد جامع أموال حكومي بزي استثماري.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية، يخشى ذوو الدخل المحدود من فواتير باهظة، لاسيما أن أسعار "الأمبير" في المولدات الأهلية تستنزف ميزانياتهم أصلا، ولا تتواجد في الأفق نية لإلغائها.

الحكومة عاجزة عن الموازنة بين توفير الكهرباء والجباية والأسباب في ذلك كثيرة منها الفوضى العمرانية، المتمثلة بتواجد مساحات شاسعة من العشوائيات تجعل من الصعب تقنيا تزويدها بكهرباء نظامية من دون "ثورة" في البنية التحتية، وهو ما تتهرب منه الوزارات المتعاقبة.

وهناك تداخل مصالح بين جهات نافذة وأصحاب المولدات الأهلية نشأت بنتيجته "مافيات"؛ ترى في استمرار أزمة الكهرباء تجارة مربحة لبعض الأطراف التي تعوق أي حل جذري، وبدلا من حل مشكلة الإنتاج "محطات التوليد" والنقل "التوزيع"، تلجأ الحكومة إلى حل مشكلة "الجباية" لأنها الأسهل والأسرع لرفد خزينة الدولة.

إن محاولة فرض العدادات في مناطق تعاني من انعدام الشبكة النظامية هو وضع للعربة أمام الحصان كما يقال، اذ الحل لا يبدأ بالمقياس، بل بضمان حد أدنى من ساعات التجهيز المستقرة التي تجعل المواطن يشعر بجدوى الدفع.

وبناء على التحركات الحكومية وردود الأفعال الشعبية فلقد شهدت محافظة واسط تصعيدا كبيرا في الآونة الأخيرة، حيث لم يقتصر الرفض على التظاهرات الشعبية فقط، بل امتد للموقف الرسمي وقام متظاهرون في الكوت بغلق مقر شركة الخصخصة وطرد ملاكاتها، احتجاجا على سوء التجهيز مع إصرار الشركة على الجباية.

 مجلس محافظة واسط أعلن صراحةً رفضه القاطع لمشروع الخصخصة، عادا أن الخدمة المقدمة لا توازي المبالغ التي تجبى، وهو ما وضع الحكومة الاتحادية في حرج قانوني وفني.

وكانت وزارة الكهرباء قد بدأت بالفعل بالتحرك في مناطق محددة في العاصمة بغداد ضمن مشروع "التحول الذكي"، وشملت القائمة الحالية جانب الكرخ (المنصور، اليرموك، حطين، القادسية) وفي جانب الرصافة، (الكاظمية، العطيفية، الكريعات، الصليخ، مركز الرصافة مثل السعدون وباب المعظم)، و المناطق الصناعية شملت معامل طابوق النهروان التي دخلت ضمن خطة التنفيذ لضبط الاستهلاك العالي.

في تصريحاتها الأخيرة "شباط 2026"، حاولت وزارة الكهرباء تقديم "تطمينات" للسكان القلقين بالقول ان العدادات الذكية ستنصب مجانا للمواطنين ولن يتحمل المواطن كلفة الجهاز، وأعلنت عن دخول منصة الغاز المسال الخدمة في حزيران المقبل لتأمين وقود المحطات، وتحدثت عن "الاقتراب" من إدخال مشروع الربط الكهربائي مع دول مجلس التعاون الخليجي إلى الخدمة الفعلية، بعد إعلانها بلوغ نسبة الإنجاز نحو 94%في محاولة للإيحاء بأن زيادة الجباية ستقابلها زيادة في ساعات التجهيز. 

 الوزارة بدأت تتحدث عن نصب عدادات "نظامية" حتى في المناطق الزراعية والعشوائية لتنظيم الاستهلاك بدلا من قطع الأسلاك، لكن هذا يصطدم بواقع الشبكات المتهالكة التي لا تتحمل الأحمال أصلا.

ما زالت الفجوة قائمة؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه الوزارة للتحول الرقمي، تعاني مناطق العاصمة (مثل أطراف بغداد) من غياب المحولات، فالسكان يشترون المحولات والأسلاك بجمع التبرعات.

 المواطن في هذه المناطق سيجد نفسه مضطرا لدفع فاتورة العداد الحكومي (إذا نصب) زائدا فاتورة المولدة الأهلية زائدا مبالغ صيانة الشبكة التي يقوم بها بنفسه.

 وبرغم دخول "العدادات الذكية" إلا أن الوزارة تشدد رسميا على أن التعرفة الحالية لم تتغير، بل الهدف هو ضمان دقة القراءة ومنع "التقدير العشوائي".

 التخوف في بغداد وواسط ينبع من ان  العدادات القديمة كانت "بطيئة" أو معطلة، فيما العداد الذكي يسجل حتى "شاحنة الهاتف"، مما قد يرفع الفاتورة فعليا من دون زيادة "السعر الرسمي"؛ المحال التجارية تدفع سعرا ثابتا ومرتفعا، ويخشى أصحاب المهن الصغيرة من شمولهم بتصنيفات تجارية قاسية.

بناء على هذا، يرى كثيرون أن المشكلة ليست في "سعر الوحدة" بحد ذاته، بل في ثبات التجهيز؛ فالمواطن مستعد "للدفع" إذا حضرت الكهرباء بصورة مستمرة و انقطعت فاتورة "المولدة الأهلية" التي تستهلك الجزء الأكبر من دخله.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon