شبح الحرب يربك بغداد: تشكيل الحكومة العراقية رهينة صراع واشنطن- طهران

شبح الحرب يربك بغداد: تشكيل الحكومة العراقية رهينة صراع واشنطن- طهران صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي/ شفق نيوز
2026-02-19T20:59:04+00:00

شفق نيوز- بغداد

في كل يوم تقريبا تتكرر الصورة نفسهاً، قادة كتل يتنقلون بين اجتماعات مغلقة، بيانات مقتضبة عن تقدم مفترض، وتسريبات متضاربة حول ملف رئيس الوزراء المقبل، لكن خلف هذا الضجيج يتنامى شعور داخل الطبقة السياسية العراقية بأن السباق الحقيقي لا يجري في بغداد وحدها، بل على خط التوتر المفتوح بين واشنطن وطهران، وأن ما يبدو مسارا دستوريا داخليا تحول إلى انتظار طويل لإشارة خارجية قد تأتي باتفاق أو تأتي على شكل صِدام.

منذ 2003، لم يكن تشكيل الحكومات في العراق شأنا محليا خالصاً، لكن الجديد هذه المرة، كما يصفه محللون وسياسيون، هو اختلال الميزان بشكل أكثر وضوحا لمصلحة الولايات المتحدة، مقابل تراجع قدرة إيران على فرض التسويات داخل البيت السياسي الشيعي كما فعلت في محطات سابقة.

وبينما يتجادل العراقيون حول ترشيح نوري المالكي الذي اثار جدلاً بعد موقف واشنطن الرافض له، أو استبداله، يعتقد مراقبون أن القرار النهائي بات محكوما بحسابات الإدارة الأميركية وما تريد أن تنتجه من شكل السلطة في بغداد خلال المرحلة المقبلة.

أحمد الياسري، محلل سياسي مقيم في أستراليا، يرى أن الداخل لم يختف من معادلة التأليف، لكنه أصبح الحلقة الأضعف.

ويقول لوكالة شفق نيوز، إن الفاعل الخارجي يعمل عبر عاملين، البيئة الاستراتيجية التي تتبدل بسرعة في الإقليم، وثنائية العلاقة الأميركية الإيرانية التي تتحول في هذه المرحلة إلى أداة ضغط مباشر على خيارات بغداد.

 وفي قراءته، تحاول واشنطن تفكيك ما تعتبره المدخل الأهم لنفوذ طهران، وهو النفوذ الأمني للفصائل المسلحة، لأن إنهاء تأثير هذا الملف يحد تلقائيا من قدرة إيران على التأثير في القرار السياسي.

هذه المقاربة، كما يضيف الياسري، ظهرت جزئيا في مسار الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، التي قدمت ضمانات تتعلق بتراجع دور الفصائل.

لكن السقف الأميركي، وفق محللين، لا يتوقف عند ضبط الإيقاع الأمني، بل يمتد إلى هندسة سياسية أوسع تسعى إلى إنهاء نموذج النفوذ الإيراني بوصفه شريكا إلزاميا في صناعة القرار العراقي.

حيث قالت وزارة الخارجية الأميركية، إن موقف الولايات المتحدة ما زال ثابتاً وحازماً إزاء ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، ملمحة إلى احتمال اتخاذ خطوات دبلوماسية صارمة إذا مضت القوى السياسية بهذا الخيار.

وجاء ذلك في رد رسمي على سؤال وجهه مراسل وكالة شفق نيوز في واشنطن حول ما إذا طرأ أي تغيير على التحفظ الأميركي تجاه المالكي، وما إذا كانت الإدارة الأميركية قد منحت مهلة زمنية لسحب ترشيحه.

ونقل المتحدث باسم الخارجية موقف الإدارة قائلاً لمراسلنا "لقد تحدث الرئيس ترمب بوضوح، إن اختيار نوري المالكي كرئيس للوزراء القادم في العراق سيجبر الحكومة الأمريكية على إعادة تقييم العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق".

وأضاف الرد، في إشارة إلى أن المعايير الأميركية لم تتغير، أن اختيار المالكي "سيمثل نتيجة سلبية للشعب العراقي".

كما حددت الخارجية الأميركية ثلاثة مرتكزات لموقفها تتمثل بإنهاء هيمنة الميليشيات المدعومة من إيران على المشهد السياسي العراقي، وتقليص النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، والعمل على بناء شراكة اقتصادية وتجارية متينة مع شركاء يتقاسمون أهداف واشنطن.

واختتمت الخارجية ردها بالتأكيد على أنها "تبحث عن شركاء يشاركونها هذه الأهداف"، في إشارة إلى استمرار التحفظ على تولي المالكي السلطة مجدداً.

الجدل حول المالكي يتوسط هذه العقدة، الياسري يتحدث عن رسائل أميركية سبقت طرح اسمه وأخرى تلته، كما وشرح أن الرسائل قبل الترشيح تمحورت حول منع الفصائل من المشاركة في الحكومة والأجهزة الأمنية، أما بعد طرح المالكي فتمثل الأمر برفض علني لترشيحه، لأنه يقدم نفسه، وفق هذا التصور، باعتباره صانعا للفصائل ورمزا لتمدد النفوذ الإيراني.

ويضيف أن توقيت الأزمة يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة لإحراج الإطار التنسيقي ووضعه تحت ضغط مباشر.

داخل الإطار، يتشكل منطق براغماتي قاس، إذا خرجت طهران من مواجهتها مع واشنطن بمكاسب تفاوضية، يصبح الطريق مفتوحا لخيارات أوسع وربما لمرشح جدلي. وإذا تقلص نفوذها أو تعرضت لضربة موجعة، سترتد الأزمة على حلفائها في بغداد وتدفعهم إلى البحث عن شخصية أقل إثارة للرفض الخارجي. هكذا يصف الياسري وضع الإطار الذي يراهن على زاوية إيران، لكنه لا يملك رفاهية تجاهل زاوية واشنطن.

الارتباك لا يقتصر على البيت الشيعي. في أوساط القوى الكوردية، تتردد حسابات مشابهة. فلاح المشعل، محلل سياسي، يقول إن الربط بين تأجيل تشكيل الحكومة والصراع الأميركي الإيراني ليس وهما، لكنه يصبح خطيرا عندما يتحول إلى لعبة وقت بلا تقدير لتكاليفها الاجتماعية والمالية.

ويضيف لوكالة شفق نيوز، أن المشهد محكوم بضبابية عالية، وتقاطع بين القوى الشيعية والكوردية، مع موقف أميركي رافض لترشيح المالكي يقابله إصرار من بعض قوى الإطار على المضي به.

المشعل يذهب أبعد من ذلك عندما يتحدث عن تراجع قدرة إيران على أداء دورها القديم داخل البيت الشيعي. في السابق، كانت طهران تتدخل لتحسم نزاعات مماثلة، أما اليوم فهي، بحسب وصفه، منشغلة بأزماتها الداخلية وبملف الحوار مع أميركا، ما يجعل قدرتها على فرض قرار جامع داخل حلفائها أضعف من أي وقت مضى.

وبحسب المشعل، فإن ما يتسرب من معلومات يشير إلى أن واشنطن أوعزت للكورد بتأخير أو تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية إلى حين استبدال المالكي.

هذا النوع من الاتهامات يعكس، في نظره، حقيقة أعمق تتجاوز لعبة الأسماء، وهي أن العراق لا يمتلك قراره السيادي الحاسم في أزمة بدأت منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، وما زالت تتسع.

في خلفية كل ذلك، تقف جولات تفاوض حديثة بين واشنطن وطهران، وتهديدات متصاعدة بالحرب.

في الرواية المتداولة داخل بغداد، هناك من يرى أن التفاوض سيستقر في النهاية عند تسوية ما، وهناك من يقرأ مؤشرات تصعيد تجعل الصدام خيارا مطروحا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تحدث عن صعوبة التوصل إلى اتفاق، في وقت تتحدث فيه قوى سياسية عراقية عن تحشيد عسكري أميركي يقترب من إيران.

واشنطن، بحسب التصورات التي يتداولها محللون، تضغط على إيران عبر ثلاثة ملفات كبرى، البرنامج النووي والصواريخ الباليستية وإنهاء الأذرع المسلحة في المنطقة، بينما طهران، وفق خطابها الرسمي، تتمسك بأن التفاوض ينبغي أن ينحصر في الملف النووي. هذه الفجوة في الأولويات لا تبقى على الورق. إنها، في نظر سياسيين عراقيين، تتحول إلى قيد على كل اجتماع يعقد في بغداد وعلى كل اسم يوضع على الطاولة.

رمضان البدران، محلل سياسي من واشنطن يرسم نتيجة حادة، حيث يقول لوكالة شفق نيوز، إن تفاوضا أو صداما سيقع في نهاية المطاف، وإيران ستقبل بشروط قاسية لتخرج من أزمة العقوبات والحصار، بينما لا تبالي إدارة ترمب بفتح نافذة انفتاح لإيران إذا ضمنت شروطها الاستراتيجية.

لكن العراق، في رأيه، سيجد نفسه في الحرج الأكبر، لأنه لا يعرف كم سيتبقى من دور إيران داخل أراضيه، وما سيتبقى سيكون محددا وفق الإرادة الأميركية.

البدران يربط ذلك بما يسميه طلبا أميركيا لمزيد من الإصلاحات، وعدم رغبة واشنطن في بقاء توليفة حزبية تمتلك أذرعا مسلحة وتاريخا من التوتر مع محيطها الإقليمي.

ويضيف أن ملفات المنطقة، بما فيها سوريا، باتت شديدة الحساسية داخل حسابات الإدارة الأميركية، وأن العراق قد يتحول إلى نقطة احتكاك إذا تمت تسوية ما مع إيران وبقيت بغداد عاجزة عن الاندماج مع محيطها.

من زاوية أخرى، تبدو الدعوات الرسمية لاحترام التوقيتات الدستورية أقل تأثيرا مما كانت عليه.

مثلاً، المشعل يشير إلى دعوات رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان للالتزام بالمواعيد، لكنه يعتقد أنها لم تعد ذات نفع، لأن القوى السياسية خرقتها سابقا ويمكنها خرقها مجددا، لتبقى البلاد رهينة التوقعات والتأثير الخارجي.

وفي تقديره، التأثير الأميركي هو الأقوى في هذه المرحلة، وقد يأخذ الأمور إلى الوجهة التي تريدها واشنطن لا التي يريدها العراقيون.

في النهاية، تبدو بغداد كمدينة تنتظر أكثر مما تقرر، اجتماعات تتكرر، أسماء تتبدل، ومواعيد دستورية تتآكل تحت ضغط واقع يقول إن معركة النفوذ لم تُحسم بعد بين واشنطن وطهران.

وبينما يراهن بعض السياسيين على أن التأجيل يمنحهم وقتا أفضل لصياغة حكومة تتماشى مع المستقبل، يرى آخرون أن الوقت ذاته يتحول إلى كلفة، وأن الدولة التي تُدار بالانتظار تفقد تدريجيا قدرتها على الإقناع، وعلى الحكم، وعلى ادعاء السيادة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon