سلاح يفوق الرصاص.. شفق نيوز تتحرى أسرار حرب الخوارزميات في صراع المنطقة

سلاح يفوق الرصاص.. شفق نيوز تتحرى أسرار حرب الخوارزميات في صراع المنطقة
2026-03-24T10:03:15+00:00

شفق نيوز- بغداد/ واشنطن/ لندن

يرى خبراء عسكريون ومحللون سيبرانيون، أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل بمدى القدرة على السيطرة على المعلومات، وهي ما يعبر عنها بالحرب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ويؤكد المختصون أن الذكاء الاصطناعي غيّر جذرياً طبيعة الحرب السيبرانية في الصراعات الحديثة، إذ أصبح يسرّع الهجمات ويزيد كثافتها، ويتيح تنفيذها بتكلفة وبجهد أقل، مع صعوبة تحديد مصدرها بسرعة.

كما يشير الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تطوير أساليب الهجوم عبر تعطيل البنى التحتية الحيوية ومراقبة التحركات العسكرية وسرقة المعلومات، وفي الوقت نفسه ساهم الذكاء الاصطناعي أيضاً في تعزيز الدفاع من خلال معالجة الإنذارات وربط الأحداث بسرعة أكبر.

وكشفت التجارب الأخيرة في الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أن الذكاء الاصطناعي جعل الهجمات السيبرانية أكثر تعقيداً واستمرارية، كما لعب دوراً حاسماً في انتقال الجيوش من الاعتماد على الكتل البشرية إلى استخدام أنظمة ذكية قادرة على تحليل البيانات واتخاذ القرار بسرعة فائقة.

حروب رقمية

ويقول خبراء عسكريون وأمنيون، إن العمليات العسكرية كانت تعتمد في السابق على معلومات استخباراتية تستغرق وقتاً طويلاً لجمعها وتحليلها، أما اليوم، فإن أنظمة الاستشعار والتصوير المدعومة بالذكاء الاصطناعي تنقل البيانات في لحظات، ما يسمح باتخاذ قرارات ميدانية فورية.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير العسكري العراقي علاء النشوع، أن "الحرب السيبرانية أصبحت اليوم، هي الحرب التي تعتمدها الدول وتعمل على تطويرها".

خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، يشير إلى أن "هذا التحول لم يعد في أدوات القتال فقط، بل في "طبيعة القرار العسكري نفسه، الذي بات يُتخذ خلال لحظات بفضل تدفق البيانات والتحليل الفوري".

ويتماشى هذا التطور مع تحذيرات باحثين في الأمن السيبراني من أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح عاملاً حاسماً في تسريع وتوسيع نطاق الصراع، خصوصاً في المواجهة الحالية في المنطقة، حيث تتزامن الحرب العسكرية مع الحرب السيبرانية والإعلامية في آن واحد.

وكانت الحروب خلال العقدين الماضيين تعتمد على "الكتل البشرية"، لكنها تحولت في الوقت الحاضر إلى الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة، بحسب النشوع، الذي أوضح أيضاً أن "الجيوش لم تعد بحاجة إلى تشكيلات تقليدية ضخمة، بل يمكن اليوم إلحاق خسائر كبيرة باستخدام طائرات مسيّرة وأنظمة استشعار تنقل البيانات خلال دقائق".

وهذا التغيير لم يقتصر على الأسلحة، بل امتد إلى جوهر العمليات العسكرية، فبدلاً من الاعتماد على تحليل استخباري يستغرق أياماً أو أسابيع، أصبحت القرارات تُتخذ بشكل شبه فوري، مدفوعة بأنظمة تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتؤكد الوقائع الحديثة أن هذا التطور لم يعد نظرياً، إذ لعبت الهجمات السيبرانية دوراً مباشراً في تعطيل أنظمة دفاعية، مثل الرادارات وأدوات الاستشعار، ما مهد الطريق لضربات عسكرية دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية وقيادات ميدانية في الحرب الجارية.

أهداف ذكية

ومن أبرز مظاهر هذا التحول، ظهور ما يُعرف بأنظمة دعم القرار العسكري المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وفقاً للباحث المتخصص في السياسات الأمنية وتقنيات الذكاء الاصطناعي من واشنطن، محمد مندور.

ويوضح مندور لوكالة شفق نيوز، أن "هذه الأنظمة مثل نظام (مايفن)، تقوم باستهلاك كميات هائلة من البيانات من مصادر متعددة، مثل صور الطائرات المسيّرة والاستخبارات البشرية والإشاراتية، ثم تحليلها لإنتاج ما يُعرف ببنوك الأهداف".

ويرى أن "هذا التطور يعني عملياً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تحليل، بل أصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار العسكري نفسها، فبدلاً من آلاف المحللين، يمكن لنظام واحد معالجة البيانات وتحديد الأهداف خلال وقت قياسي".

كما يشير مندور، إلى أن "أنظمة مشابهة تُستخدم في إسرائيل، مثل (غوسبل) و(لافندر)، والتي تهدف إلى التعامل مع كم هائل من البيانات الاستخباراتية وتحويلها إلى أهداف قابلة للتنفيذ".

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التحليل، بل يمتد إلى تشغيل الطائرات المسيّرة، حيث يساعد في الملاحة وتحديد الأهداف ورصد التهديدات، ما يجعل جزءاً كبيراً من العمليات العسكرية اليوم قائماً على الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

قيادة سيبرانية

ورغم أن الفضاء السيبراني كان يُنظر إليه سابقاً كأداة دعم، إلا أنه بات اليوم في صدارة المعركة، حيث يلفت النشوع، إلى أن "الدول الكبرى تتسابق الآن على تطوير قدراتها في هذا المجال، بهدف تعطيل البنى التحتية العسكرية للخصم وتدمير الأنظمة وسرقة المعلومات ومراقبة التحركات".

وهذا ما ظهر بوضوح في الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حيث لعبت الهجمات السيبرانية دوراً في تعطيل أنظمة الدفاع الجوي وتشويش الاتصالات العسكرية وتمهيد الطريق للضربات الجوية واستهداف القيادات.

وفي المقابل، استخدمت إيران الهجمات السيبرانية لتحديد الأهداف وتنفيذ عمليات مضادة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في هذا المجال، رغم الفجوة التكنولوجية بينها وبين خصومها.

حرب الخوارزميات

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي ومحلل المخاطر من لندن، علي متولي، أن الذكاء الاصطناعي غيّر قواعد اللعبة بالكامل، لأنه جعل الهجمات "أسرع وأرخص وأسهل في التوسع".

ويشرح متولي لوكالة شفق نيوز، أن "العمليات التي كانت تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين - مثل جمع المعلومات أو إعداد هجمات التصيّد - أصبحت اليوم تُنفذ بسرعة وبجودة أعلى، ما يزيد من فرص نجاحها". 

وهذا التحول، بحسب متولي، أدى إلى تصعيد غير مسبوق في وتيرة الهجمات، حيث لم تعد تقتصر على ضربات كبيرة متباعدة، بل أصبحت "نشاطاً مستمراً" يتصاعد مع كل توتر سياسي أو عسكري.

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي وسّع ما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، حيث يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، ما يزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود بين الدول.

فوضى المعلومات

ووفقاً للخبراء، فإن أخطر ما في التحول الحالي، هو أن الحرب السيبرانية لم تعد مجرد هجمات تقنية، إذ يقول متولي إن "الهجمة لم تعد مجرد تشويه موقع أو تعطيله، بل يمكن أن تكون بوابة لهجوم أعمق على خدمات حساسة".

ويرى محلل المخاطر، أن الحرب السيبرانية قد تتحول إلى "فوضى معلوماتية تشمل نشر أخبار كاذبة وتضخيم الاختراقات لإحداث تأثير نفسي وسياسي".

ويتوافق حديث متولي مع ما شهدته الساحة الرقمية مؤخراً، حيث استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مضلل - من صور وفيديوهات - بهدف التأثير على الرأي العام، خاصة في الغرب، بحسب تقارير غربية.

وفي هذا السياق، كشف تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، أن إيران أعادت توجيه استراتيجيتها الإعلامية باستخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو وصور عالية التأثير لنشرها عبر منصات "إكس" و"إنستغرام"، بهدف التأثير النفسي على الجمهور الغربي وإضعاف الدعم الشعبي للحرب.

كما تجلى الرد الإيراني على العمليات السيبرانية التي تستهدفها، بهجمات "وايبر" الماسحة للبيانات التي طالت شركة التكنولوجيا الطبية الأميركية "سترايكر" والتي نُسبت لمجموعة "حنظلة" المرتبطة بطهران، في المقابل تعرض تطبيق "بادي صبا" الشهير في إيران لاختراق وإرسال رسائل ترهيب لملايين المستخدمين بالتزامن مع القصف الأميركي-الإسرائيلي.

قتال هجين

وفي هذا المشهد، تمثل إيران نموذجاً واضحاً للحرب غير المتكافئة، ففي ظل محدودية مواردها مقارنة بالولايات المتحدة، ركزت على استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات السيبرانية وحملات التضليل والحرب النفسية واستخدام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.

وقد طورت طهران نموذجاً يعتمد على الدمج بين الاختراق التقني والهندسة الاجتماعية، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كمضاعف قوة يزيد من سرعة وكفاءة هذه العمليات، بحسب تقارير.

ورغم القيود المفروضة عليها في الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، تمكنت من الالتفاف عليها عبر شبكات دولية، مما يسمح لها بالحفاظ على مستوى فعّال من النشاط السيبراني.

واللافت في خضم هذه الحرب الجارية، أن الذكاء الاصطناعي لم يعزز الهجوم فقط، بل ساهم أيضاً في تطوير الدفاع، ففرق الأمن السيبراني باتت تستخدمه لتحليل التنبيهات وربط الأحداث واتخاذ قرارات أسرع، بدلاً من الغرق في آلاف الإنذارات.

لكن المشكلة، كما يشير متولي في الختام، إلى أن "المهاجمين أيضاً يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب مراوغة جديدة، ما يجعل المعركة أشبه بسباق مستمر".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon