خفايا وعقود.. ما سر تزامن مشروع "التكسي الأخضر" مع أزمة البنزين؟
شفق نيوز- بغداد
مشروع جديد ظهر للواجهة، يخص السيارات الكهربائية، عبر إنشاء "مرآب أخضر" يوفر شحن لسيارات الأجرة في العاصمة بغداد، وهذا المشروع الذي تبنته وزارة النقل بالتعاون مع وزارة البيئة، تزامن مع أزمة بنزين حادة تضرب العاصمة وأغلب المحافظات الأخرى.
المشروع الجديد، الذي يضم في خفاياه إدخال آلاف السيارات الكهربائية، ما يزال حتى الان دون دراسة جدوى واضحة المعالم، بل حسب الموقف الرسمي، فإن قياس تقليل معدلات التلوث وغيرها من الأمور، ستبدأ بعد إنطلاق المشروع.
مصدر مطلع كشف لوكالة شفق نيوز، وجود توجه لإبرام عقد حكومي مع شركة سيارات صينية لضخ آلاف السيارات الكهربائية للسوق، بالتزامن مع إنطلاق المشروع.
وأكد أن "استيراد السيارات سيكون عبر عقد ضمني، فالسيارات ستباع بشكل اعتيادي للمواطنين عبر الشركة المستوردة لها، لكن استيرادها هو بدفع حكومي وعبر عقود (داخلية) مع الشركة".
وجاء الإعلان عن المشروع قبل أيام، أي قبل بدء الأزمة الحادة بتوفير البنزين في بغداد، حيث أغلقت أغلب المحطات أبوابها لعدم توفره، وخاصة المحسن منه.
وبحسب رصد سريع لوكالة شفق نيوز، فإن بعض السيارات الكهربائية أو الهجينة "الهايبرد"، ارتفع سعرها بمقدار مليون دينار عن ما كانت عليه قبل ازمة البنزين.
وتعليقا على هذا المشروع، يقول مديرالعلاقات والاعلام في وزارة النقل حسين احمد، أن "العراق بحاجة الى مشاريع هادفة في مجال النقل لتقليل انبعاثات كاربون، خاصة مع وجود اعداد كبيرة من السيارات في العاصمة بغداد".
ويرى في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "مشروع التكسي الاخضر من المشاريع الحيوية الصديقة للبيئة، وتم بالتعاون مع وزارتي النقل والبيئة للاستفادة من المرائب ونصب الواح شمسية لتزويد المركبات بالطاقة الكهربائية"، منوها انه "سيتم فتح تطبيق الكتروني لطلبات المواطنين الراغبين باستخادم التكسي الاخضر أسوة بالتطبيقات الموجودة لدى الشركات الاخرى".
ويشير إلى: يتم اعداد دراسة تتضمن الجدوى الاقتصادية والبيئية لهذا المشروع، كما تعمل وزارة النقل على اعداد خطط لتفادي الاخفاقات في المشاريع السابقة على وفق الاهمية.
ونفى مدير اعلام النقل علمه باستيراد مركبات جديدة تعمل بالطاقة الكهربائية لتشغيلها ضمن التكسي الاخضر، مكتفيا بالقول: وزارة البيئة تعكف على دراسة مشروع التكسي الاخضر بشكل دقيق.
وكان مدير عام دائرة التخطيط والمتابعة في وزارة النقل عباس عمران موسى، بحث مع مدير عام الشركة العامة لاقتصاديات الكاربون في وزارة البيئة بحضور ممثلي الشركة العامة لإدارة النقل الخاص، مشروع التكسي الأخضر وآليات الاستفادة من مرائب النقل الخاص في دعم التحول نحو النقل المستدام، وفق بيان رسمي.
يذكر أنه في العام 2024، أطلقت الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، مشروع التكسي النهري، الذي وقع على عاتق وزارة النقل، في خطوة لفك الاختناقات المرورية، وتم إنشاء محطات له تربط جانبي العاصمة بغداد الكرخ والرصافة.
لكن المشروع سرعان ما فشل، بعد تحوله إلى جولات نهرية ليلية بمقابل 25 ألف دينار لكل جولة، وأصبحت المحطات عبارة عن زوارق هدفها جولات للترفيه، رغم أنها تحمل يافطة المشروع ووزارة النقل.
وبالتوجه إلى وزارة البيئة، يقول مدير عام شركة اقتصاديات الكاربون في وزارة البيئة، حيدر قاسم الدراجي، (الذي حضر الاجتماع وفق البيان الرسمي) إنه "من الناحية البيئية، يمكن أن يبدأ الأثر الملموس عند إدخال عدة آلاف من سيارات الأجرة الكهربائية إلى الخدمة، والهدف الحقيقي من المشروع، هو الوصول تدريجياً إلى عشرات الآلاف من المركبات الكهربائية، لأن تأثير المشروع على جودة الهواء يصبح أكبر كلما ارتفعت نسبة المركبات الكهربائية".
ويضيف الدراجي في حديثه لوكالة شفق نيوز: ليس المهم عدد السيارات فقط، وإنما معدل تشغيلها داخل المناطق الأكثر ازدحاماً، وعدد الكيلومترات التي تقطعها يومياً، ونوع المركبات التي يتم استبدالها، لذلك سيجري تقييم الأثر على أساس الانبعاثات التي تم تجنبها فعلياً، وليس على أساس عدد السيارات وحده".
ويؤكد أن "المشروع يمكن أن يبدأ بمرحلة أولى قابلة للقياس، ثم يتوسع تدريجياً وفق نتائج قياس الانبعاثات وجودة الهواء".
وينوه الدراجي إلى أن "المشروع يُبنى على أساس بيئي واضح، ولكن لا نريد أن نستبق الإجراءات الفنية أو ننسب إلى وزارة البيئة دراسة لم تُعلن رسمياً بعد"، مؤكدا أن "وزارة البيئة تمتلك منظومة لرصد نوعية الهواء والانبعاثات في بغداد، وتشمل الملوثات الناتجة عن مصادر متعددة، ومنها عوادم المركبات، ولذلك سيكون من الممكن بناء خطط على أساس بيئي وقياس أثر المشروع بصورة علمية قبل وبعد التنفيذ".
ويشير الى ان "الهدف من ذلك هو أن لا يكون (التكسي الأخضر) مجرد مشروع لاستبدال السيارات، وإنما مشروعاً يمكن قياس أثره بالأرقام، باحتساب كمية الوقود التي تم الاستغناء عنها، وكمية الانبعاثات التي تم تجنبها، وأثر ذلك على نوعية الهواء في المناطق التي يعمل بها المشروع".
يشار إلى أنه في 5 كانون الثاني/ يناير 2026، كانت تقديرات مؤسسة "عراق المستقبل" تشير إلى إمكانية تجاوز عدد السيارات في العراق 9 ملايين مركبة بحلول 2030، بعد إعلان مديرية المرور العامة في كانون الأول/ ديسمبر 2025 تجاوز العدد حاجز 8 ملايين.
وتصدرت بغداد المحافظات بنحو 3 ملايين سيارة، تلتها أربيل بنحو 982 ألفاً والسليمانية بنحو 721 ألفاً، وفق تلك التقديرات.
وبحسب خبر نشرته وكالة شفق نيوز، حول أزمة البنزين في الساعات الماضية، فإن عدد من سائقي السيارات قالوا إن الأزمات المتعلقة بالبنزين باتت تتكرر خلال فترات قصيرة، متسائلين عن أسباب تجددها، ومطالبين الجهات المعنية بتوضيح أسباب نقص الوقود وإغلاق المحطات.
يشار إلى أن وزارة النفط، وعبر بيان لها، أكدت وجود فارق بين الانتاج من البنزين والاستهلاك، ما خلق الأزمة الحالية، وأيضا ما فاقمها هو عدم وصول بواخر البنزين المحسن المستورد.
إلى ذلك، يشير الأكاديمي صادق الدراجي، لوكالة شفق نيوز، إلى أن "العاصمة بغداد تعاني من اختناقات مرورية حادة، ومن استهلاك كميات كبيرة من مادتي الكاز والبنزين وكلها عوامل سلبية ولها تأثير مباشر على البيئة".
ويكمل: لم تتم دراسة الجدوى الاقتصادية من هذه المشاريع قبل تنفيذها، كما لم توضع خطط رصينة لمعالجة اخفاقها".
ويستطرد أنه "كان بالامكان تحقيق عوائد مالية وتخفيف الاختناقات المرورية لو تم استخدام باصات النقل الجماعي بشكل صحيح، عبر تشغيل العديد من الباصات لمختلف الخطوط والمناطق"، مشيرا الى ان "الباصات التي تعمل حاليا محدودة وتقتصر على النقل من منطقة البياع الى باب المعظم وبالعكس، فيما يجب توفير اعداد اكثر من الباصات لتشمل جميع المناطق".
ويلفت الى ان "التكسي النهري لايكلف اموالا لصيانة الطرق، ويمكن ان يحقق عوائد مالية فيما لو تم توظيفه للنقل بشكل حقيقي في العاصمة بغداد، وليس لرحلات النزهة فقط".
ويعرب الدراجي عن أمله في أن "لا يكون مشروع التكسي الاخضر، مشروعا يرصف مع المشاريع السابقة المتلكئة، اذ لابد من وضع دراسة دقيقة حول جدواه الاقتصادية وفوائده الاجتماعية قبل اي خطة اخرى".