خاص.. إلى أين تتجه إيران بعد 191 يوماً من الحرب؟
شفق نيوز- طهران
بعد مضي 191 يوماً على اندلاع المواجهات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مع إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، تواجه طهران ضغوطاً متزامنة على المستويين العسكري والاقتصادي، في ظل تصعيد متواصل عند مضيق هرمز وتراجع صادرات النفط وتدهور القدرة الشرائية، فيما تسعى إلى احتواء تداعيات الحرب ومواصلة الضغط على خصومها.
ورغم هذه التحديات، لا تبدو الجبهة الداخلية الإيرانية أمام حالة من الانهيار السياسي أو الأمني، مع استمرار تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة تداعيات الحرب، وفقاً لباحثين في الشأن الإيراني.
تماسك الجبهة الداخلية
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والخبير في الشأنين الإيراني والإقليمي صالح القزويني، أن الصورة الداخلية في إيران تختلف عن بعض التقديرات الغربية التي تتحدث عن انهيار اقتصادي أو اضطراب سياسي وأمني.
ويقول القزويني لوكالة شفق نيوز، إن الوضعين الأمني والسياسي في إيران ما زالا مستقرين، رغم وجود تضخم وارتفاع في الأسعار وبعض الخلافات بين المسؤولين، مشيراً إلى أن هذه الخلافات تتراجع عندما يصدر القرار عن المؤسسات العليا، ولا سيما المجلس الأعلى للأمن القومي أو المرشد.
وفيما يتعلق باحتمال تجدد الحرب، يعتقد القزويني أن التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران قد يقود إلى مواجهة محدودة أو شاملة، معتبراً أن القرار النهائي يرتبط بدرجة كبيرة بخيارات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ويضيف أن إيران، في المقابل، ماضية في "محاولة انتزاع حقوقها وإنهاء الحصار المفروض عليها"، وأن استهداف الولايات المتحدة لأهداف إيرانية "يمنح طهران مبرراً لاستهداف المصالح الأميركية في المنطقة".
ضغط اقتصادي مستمر
وتواجه إيران بالفعل ضغوطاً اقتصادية متزايدة بفعل العقوبات والحصار البحري واضطراب صادرات النفط، في وقت فقد فيه الريال جزءاً كبيراً من قيمته وارتفعت أسعار السلع الأساسية.
وأعلنت الحكومة الإيرانية، اليوم الاثنين، رفع سعر البنزين للشريحة الثالثة (الحر غير المدعوم) من المستهلكين اعتباراً من اليوم التالي، لتصل إلى 100 ألف ريال للتر لمن يتجاوز استهلاكه 110 لترات شهرياً، مع إبقاء أسعار الشرائح الأولى (المدعومة كلياً) والثانية (المدعومة جزئياً) دون تغيير.
كما أشارت بيانات وتقارير اقتصادية إلى تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة حاجز مليوني ريال، في وقت تقترب فيه معدلات التضخم من مستويات مرتفعة للغاية، بينما تراجعت صادرات النفط تحت تأثير العقوبات والحصار.
رهان الضغط الأميركي
لكن الخبير في الشؤون الإيرانية، مهدي عزيزي، يرى أن الضغوط الاقتصادية لا تعني بالضرورة اقتراب إيران من الانهيار أو الاستسلام.
ويقول عزيزي لوكالة شفق نيوز، إن التطورات الحالية تأتي في إطار محاولة الضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي يحتاج فيها ترمب إلى تحقيق نتيجة سريعة يمكن تقديمها للناخب الأميركي، بحسب تقديره.
ويرى أن الخيارات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي استخدمتها واشنطن لم تنجح حتى الآن في دفع إيران إلى الاستسلام، ولذلك انتقلت الإدارة الأميركية إلى الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي.
ويستبعد عزيزي في الوقت الحالي اندلاع اضطرابات شعبية واسعة نتيجة الضغوط الاقتصادية، معتبراً أن المجتمع الإيراني يدرك طبيعة الصراع الخارجي، وأن طهران تمتلك بدائل اقتصادية وسياسية، بينها تعزيز العلاقات مع دول الجوار والانخراط في أطر مثل منظمة شنغهاي.
ويضيف أن عامل الوقت قد لا يكون في مصلحة واشنطن، لأن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يرفع تكلفتها السياسية والاقتصادية على إدارة ترمب.
هرمز محور المواجهة
وتحول مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية إلى محور رئيسي في المواجهة، فالمضيق كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، فيما تعتمد إيران على صادرات النفط للحصول على العملات الأجنبية.
وفي أحدث بيانات شحن نُشرت اليوم الاثنين، تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، إذ بلغ متوسط عبور سفن السلع الأولية 10 سفن يومياً خلال الأيام العشرة الماضية، وهو المستوى الأدنى منذ أيار/ مايو الماضي.
والسبت الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأميركية استهداف ثلاث ناقلات نفط إيرانية، قالت واشنطن إنها مرتبطة بشبكة ظل تمول الحرس الثوري، مبينة أن الضربة جاءت رداً على استهداف سفينتين حربيتين أميركيتين.
وفي اليوم التالي، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن طهران ستعلن منطقة محظورة جديدة في الخليج، وأن السفن التي تدخلها من دون إذن قد تُدرج على قائمة العقوبات الإيرانية.
كما تحدثت طهران عن تفاهمات مع سلطنة عُمان بشأن خرائط ومسارات جديدة للملاحة، في محاولة لإيجاد ممر آمن مؤقت عبر المضيق.
وتقول إيران إن المضيق يخضع لسيطرتها، بينما تؤكد واشنطن أن حركة الملاحة بدأت تعود تدريجياً، في ظل الانخفاض الكبير في عدد السفن العابرة.
حرب استنزاف متقطعة
وفي ظل هذا التصعيد، يرى خبير العلاقات الدولية من مدينة رام الله الفلسطينية، أشرف عكة، أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة حرب متقطعة منخفضة أو متوسطة الشدة، يمكن أن تتحول إلى جولة أوسع في أي لحظة.
ويقول عكة لوكالة شفق نيوز، إن التهدئة انهارت، كما تعثرت مذكرة التفاهم التي وقعت في 17 حزيران/ يونيو 2026، وعادت الضربات المتبادلة بينما بقيت قنوات التفاوض متعثرة.
ويشير إلى أن إيران تواجه ضغطاً مزدوجاً، خارجياً بفعل الحرب والعقوبات والحصار، وداخلياً نتيجة التضخم وتراجع قيمة العملة وضرب صادرات النفط، لكنه يحذر من الربط التلقائي بين الأزمة الاقتصادية والاستسلام السياسي.
ويضيف أن المؤشرات الحالية، ولا سيما التهديدات المرتبطة بمنشآت الطاقة وإعلان منطقة محظورة قرب هرمز، تجعل سيناريو حرب الاستنزاف المتقطعة أكثر ترجيحاً من حرب شاملة ومستمرة.
وبحسب عكة، قد تأخذ هذه الحرب شكل ضربات جوية محدودة، واستهداف السفن والمنشآت والمصالح الاقتصادية، وهجمات سيبرانية وحرب استخبارية، إلى جانب تحريك جماعات حليفة لإيران في دول المنطقة والضغط على الطاقة والملاحة.
ويحذر من أن هذا السيناريو قد يكون أخطر من حرب قصيرة وحاسمة، لأنه يبقي المنطقة لأشهر في حالة من عدم الاستقرار، من دون وجود خط واضح يفصل بين الحرب والسلام.
ويلخص عكة المعضلة الإيرانية في نقطة أبعد من الاعتبارات العسكرية والاقتصادية، قائلاً إن إيران ليست في وضع يسمح لها بخوض حرب شاملة وطويلة، لكنها في الوقت نفسه ليست في وضع يسمح لها بسهولة بقبول تسوية يمكن أن تُفسَّر داخلياً على أنها استسلام.
هشاشة العراق
وينوّه عكة إلى أن آثار التصعيد لا تقف عند حدود إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يبرز العراق بوصفه أحد أكثر الأطراف عرضة لتبعات أي توسع في المواجهة.
ويعتبر أن العراق هو "الدولة الأكثر هشاشة في المنطقة" أمام هذا السيناريو، لأنه قد يجد نفسه في وضع يصعب فيه الحفاظ على الحياد بين واشنطن وطهران، خصوصاً إذا استخدمت أراضيه في هجمات على القوات أو المصالح الأميركية.
ويحذر من أن استهداف المصالح الأميركية من قبل فصائل عراقية قد يؤدي إلى رد أميركي أو إسرائيلي داخل العراق، بما يحول الأراضي العراقية إلى ساحة إضافية للصراع.
واقتصادياً، سيكون العراق معرضاً أيضاً لتداعيات اضطراب الملاحة وأسواق الطاقة، بالنظر إلى ارتباط عائداته النفطية واستقرار طرق التصدير بالوضع الأمني الإقليمي، ولا سيما التطورات في مضيق هرمز، وفق ما خلص إليه عكة في ختام حديثه.