حكومة العراق المقبلة.. هل يكسر المالكي دائرة الجدل أم يغرق فيها؟
شفق نيوز- بغداد
في خضم انسداد سياسي متواصل عقب انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، يتصاعد الجدل داخل العراق وخارجه بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل، وسط تمسك الإطار التنسيقي بترشيح نوري المالكي، وتحذيرات أميركية من إعادة تكليفه، وانقسام داخلي بين القوى الشيعية والسنية والكوردية.
وبين خطاب يركز على "حصر السلاح بيد الدولة" وبناء جيش موحد، وضغوط دولية تتحدث عن عقوبات محتملة ووقف الدعم، يجد العراق نفسه أمام معادلة دقيقة تجمع بين السيادة الوطنية والحاجة إلى مقبولية إقليمية ودولية، في وقت يترقب فيه الشارع مخرجاً ينهي حالة الشلل السياسي.
معايير المرحلة
وفي هذا السياق، يرى رئيس الهيئة السياسية للتيار العشائري، عبد الرحمن الجزائري، أن الإطار التنسيقي "لوّح بأن تكون من معايير رئيس الوزراء المقبل أن يتمتع بمقبولية إقليمية" مشيراً إلى أن "السياسة بطبيعتها تتطلب التعامل مع المتغيرات، وهذا أمر طبيعي".
ويضيف الجزائري لوكالة شفق نيوز أن المرحلة الحالية تتطلب "شخصية معتدلة ومستقلة وقادرة على الحديث مع الإدارة الأميركية، وتمتثل لتوجيهات المرجعية الدينية، وتتواصل مع الشركاء الإقليميين"، في إشارة واضحة إلى تعقيدات المشهد الداخلي وتشابكاته الخارجية، لا سيما في ظل التوترات بين واشنطن وطهران وتأثيرها على الساحة العراقية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تؤكد فيه طهران، بحسب تصريحات مسؤولين عراقيين، أنها تدعم أي مرشح يتفق عليه الإطار التنسيقي من دون تبني اسم محدد، وهو موقف يتقاطع مع ما تعلنه المرجعية الدينية في النجف من دعمها لآلية التوافق لا لشخص بعينه.
خطاب المالكي
من جانبه، يدافع عارف الحمامي، القيادي في ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، عن الخطاب الأخير لزعيمه، مؤكداً أن "جميع خطابات المالكي يتم تأويلها في بعض الأحيان من قبل أطراف تريد تشويه الصورة".
ويقول الحمامي لوكالة شفق نيوز إن "خطاب المالكي لم يكن موجهاً ضد أي جهة، لا شيعية ولا سنية ولا كوردية، بل كان خطاباً وطنياً وأبوياً طمأن الجميع، ولم يتضمن أي نبرة تهديد أو طائفية"، مضيفاً أن حديث المالكي بشأن سلاح الفصائل جاء "بحكم العلاقة الأبوية والأخوية معهم، ويمكن معالجة بعض الأمور ضمن هذا الإطار".
وكان المالكي قد شدد في تصريحات على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة، ووجود جيش واحد يضم أبناء جميع مكونات الشعب تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة"، معتبراً أن ذلك "يمثل الأساس لبناء دولة مستقرة"، وأن الاستقرار "يهيئ بيئة آمنة تشجع الاستثمار وتوفر فرص عمل للشباب وتسهم في استكمال مسيرة البناء والإعمار".
ويشير الحمامي أيضاً إلى أن المالكي "متمسك بترشيحه، والإطار كذلك"، معتبراً أن التراجع بعد تدوينة الرئيس الأميركي دونالد ترمب "سيعد نكسة سياسية تمس جميع مكونات البلاد"، مؤكداً أن "العراق بلد ذو سيادة، ولا بد من الحفاظ على كرامته بمواقف قوية".
منطق الدولة
بدوره، يرى الباحث السياسي أبو ميثاق المساري أن خطاب المالكي لم يتغير جذرياً تجاه الحشد الشعبي أو القوى المسلحة، "لكن يُلاحظ أن اهتمامه ازداد نحو خطاب الدولة، نظراً لحساسية المهمة المقبلة".
ويوضح المساري لوكالة شفق نيوز أن "منطق الدولة يختلف عن منطق المتلقي للأخبار، فالمالكي اليوم صانع خبر ورأي في آن واحد، وفي لحظة حرجة من تاريخ البلاد"، مضيفاً أن "رجل الدولة عندما يكون في موقع المسؤولية لا يكون كمن هو خارجها، وكل كلمة تصدر عنه الآن محسوبة بدقة".
ويشير المساري إلى أن العراق يمر بمرحلة "حرجة وحساسة"، ما يفرض حذراً في إطلاق التصريحات، خاصة في ظل التحذيرات الأميركية من إعادة تكليف المالكي، والتي وصلت حد التلويح بوقف الدعم، وسط حديث عن رسائل غربية تحذر من "عقوبات قاسية" إذا لم تُراعَ المصالح المشتركة.
إرث مرفوض
في المقابل، يقدم المحلل السياسي أحمد يوسف قراءة أكثر انتقاداً، إذ يرى أن تغير خطاب المالكي "لم يأتِ من فراغ، بل محاولة لتحسين صورته أمام شركائه في الداخل وأمام الدول الإقليمية والدولية".
ويقول يوسف لوكالة شفق نيوز إن الولاية الأولى للمالكي (2006-2010) "كانت قاسية على العراقيين"، فيما شهدت ولايته الثانية (2010-2014) "خلافات حادة مع السنة والكورد، ومظاهرات في المحافظات السنية وخلافات مع أربيل، وانهياراً أمنياً أدى إلى سقوط عدة محافظات بيد تنظيم داعش وتهجير ومجازر".
ويضيف أن المالكي "يمثل حقبة يرفضها جزء من الداخل والخارج"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أبدت اعتراضاً صريحاً على عودته، إذ حذر الرئيس ترمب من أن إعادة تكليفه قد تعيد العراق إلى "الفقر والفوضى الشاملة"، في إشارة إلى فترة سيطرة تنظيم "داعش" على نحو ثلث مساحة البلاد قبل إعلان "النصر" عليه عام 2017.
ويرى يوسف أن التحول إلى خطاب أكثر اعتدالاً "يهدف إلى كسب ود القوى السياسية الوطنية وإرسال رسائل تطمين لدول الجوار، خصوصاً الولايات المتحدة"، لكنه يؤكد أن المالكي "لا يزال ورقة مرفوضة لدى قوى سياسية وطنية ودول خارجية".
يذكر أن الإطار التنسيقي، الذي أعلن في 24 كانون الثاني/ يناير 2026 ترشيح المالكي استناداً إلى نتائج انتخابات 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 التي بلغت نسبة المشاركة فيها 56.11%، لا يزال متمسكاً بمرشحه، رغم الانقسامات داخل البيت الشيعي، والاعتراضات السنية والكوردية التي عطلت انتخاب رئيس الجمهورية، وهو استحقاق دستوري يسبق تكليف رئيس الوزراء.