"الكاش أولاً".. لماذا يفشل الدفع الإلكتروني في كسب ثقة العراقيين؟
شفق نيوز- بغداد
في العراق، ما يزال الكاش يحتفظ بمكانته كوسيلة الدفع الأكثر حضوراً في الحياة اليومية، رغم التوسع التدريجي في خدمات الدفع الإلكتروني.
فبينما تتطور الأنظمة المالية وتتعدد البطاقات والتطبيقات المصرفية، يظل التعامل النقدي الخيار المفضل لدى شريحة واسعة من المواطنين، باعتباره الأسرع والأبسط والأكثر أماناً من وجهة نظرهم، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالثقة بالخدمات المصرفية واستقرارها.
آراء وتعليقات
ويقول المواطن طه أحمد، لوكالة شفق نيوز، إنه يفضل استخدام النقد (الكاش) في تعاملاته اليومية بدلاً من بطاقات الدفع الإلكتروني، رغم امتلاكه بطاقة مصرفية، موضحاً أنه لا يستخدمها إلا عند نزول راتبه، حيث يقوم بسحبه كاملاً فوراً.
ويضيف أن السبب يعود إلى سهولة التعامل بالكاش من جهة، إلى جانب مخاوف متداولة بشأن احتمال حدوث عمليات سرقة أو سحب غير مبرر من البطاقات دون علم أصحابها أو إشعار مسبق من المصارف.
ووفقاً أحمد، فإن هذه المخاوف، سواء كانت صحيحة أو مجرد أحاديث شائعة، دفعته إلى تجنب الاحتفاظ بأي مبالغ داخل البطاقة، والاعتماد بدلاً من ذلك على النقد في جميع معاملاته اليومية، مبيناً أن ضعف الثقة بوسائل الدفع الإلكتروني ما يزال عاملاً مؤثراً لدى شريحة من المواطنين، رغم انتشار هذه الخدمات بشكل متزايد.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد بطاقات الدفع في العراق تجاوز 20–22 مليون بطاقة، إلا أن الاستخدام الفعلي يبقى أقل من حجم التوزيع، كما يوضح البنك المركزي أن حجم الكتلة النقدية يبلغ 93 تريليون دينار، في حين لا يتجاوز الموجود داخل المصارف 11 تريليون دينار.
الكاش رغم الإصلاح
من جانبه، يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، لوكالة شفق نيوز، إن "الاقتصاد غير الرسمي ما يزال يشكل حصة كبيرة من النشاط في العراق، ما يعزز الاعتماد على النقد في التعاملات اليومية، خصوصاً في الأسواق والأعمال الصغيرة".
ويرى أن العوامل الثقافية وضعف الوعي المالي الرقمي تلعب دوراً في تفضيل الكاش، إلى جانب بعض المخاوف المرتبطة بالرسوم أو الأخطاء التقنية، مشيراً إلى أن العديد من حاملي بطاقات الدفع يستخدمونها لسحب الرواتب فقط، ما يحد من انتشارها كوسيلة دفع فعلية.
وفي المقابل، يلفت صالح، إلى وجود مؤشرات إيجابية متنامية، إذ يشهد العراق توسعاً ملحوظاً في استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني، خاصة في محطات الوقود وبعض الخدمات، بدعم من البرنامج الحكومي للإصلاح الاقتصادي والمصرفي.
وتابع حديثه بالقول إن "جهود الحكومة تتقدم في تعزيز التحول الرقمي عبر التوسع في الجباية الإلكترونية، ونشر الشمول المالي، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات، إلى جانب تقديم حوافز لتشجيع الاستخدام"، مضيفاً أن "العراق يسير تدريجياً نحو ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني، مدعوماً بإصلاحات مستمرة تهدف إلى بناء نظام مالي رقمي أكثر كفاءة واستقراراً".
وبحسب الإحصائيات، فإن نحو 90% إلى 95% من المدفوعات في العراق ما تزال نقدية (كاش)، كما جاء في تقارير ودراسات اقتصادية حديثة.
ثقافة الدفع الرقمي
بدوره، يؤكد الخبير المالي محمود داغر، أن الانتقال من التعامل النقدي إلى الدفع الإلكتروني في العراق لا يُعد مجرد خطوة تقنية، بل هو تحول ثقافي يحتاج إلى وقت ووعي مجتمعي، ولا يمكن تحقيقه خلال فترة قصيرة.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يشير إلى أن هذه العملية تواجه تحديات عدة، أبرزها عدم اكتمال الدورة الاقتصادية بشكل منظم، بما يشمل تسجيل المحال التجارية، وتوثيق الأملاك، وفتح الحسابات المصرفية، وهي عوامل أساسية لخلق بيئة مالية رقمية متكاملة.
وطبقاً لحديث داغر، فإن غياب شريحة واسعة من المستهلكين والبائعين عن النظام المصرفي يحد من توسع استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، موضحاً أن تعزيز هذا التحول يتطلب رفع مستوى الثقة بالقطاع المصرفي، إلى جانب تقديم حوافز مشجعة للمستخدمين، سواء من المستهلكين أو أصحاب الأعمال، مثل الخصومات أو المزايا الإضافية مقارنة بالدفع النقدي.
ويبيّن أن فرض الدفع الإلكتروني بشكل إجباري قد لا يحقق نتائج إيجابية، بل إن تشجيع الاستخدام الطوعي عبر الحوافز هو الطريق الأكثر فاعلية، لافتاً إلى أن منظومة الدفع الإلكتروني في العراق لا تزال حديثة نسبياً، إذ بدأت بالظهور قبل نحو عامين فقط، ما يجعلها في مرحلة التأسيس الأولى، مع توقعات بتطور تدريجي وزيادة في معدلات الإقبال خلال الفترة المقبلة.
من جهة أخرى، يرى مصدر مطلع، أن معظم دول العالم اتجهت نحو الاعتماد على أنظمة الدفع الإلكتروني، مع تراجع كبير في استخدام النقد في العديد من المعاملات اليومية، في إطار التحول نحو الاقتصاد الرقمي.
ويوضح المصدر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "الدفع الإلكتروني في العراق يمثل خطوة إيجابية نحو الحداثة والتطور المالي، إلا أنه يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية المصرفية، والحاجة إلى تعزيز دور البنك المركزي في هذا المجال، فضلاً عن محدودية الوعي بالثقافة المالية الرقمية لدى شريحة من المواطنين".
كما أن هناك حاجة إلى رقابة ومتابعة أكثر فاعلية من قبل البنك المركزي والجهات المعنية على شركات الدفع الإلكتروني، في ظل وجود استقطاعات مالية تُفرض على بطاقات الموظفين والمتقاعدين، وفقاً لحديث المصدر.
وبحسب المختصين، فإن تطوير هذا القطاع يتطلب معالجة هذه التحديات بشكل متكامل، لضمان بناء نظام دفع إلكتروني أكثر كفاءة وثقة في العراق.
وفي السياق ذاته، يقول الخبير الاقتصادي محمد الحسني، لوكالة شفق نيوز، إن "هيكل السيولة في العراق ما يزال يعكس اعتماداً مرتفعاً على النقد"، مبيناً أن "نحو 40% إلى 45% من الكتلة النقدية ما تزال خارج الجهاز المصرفي، في حين لا تتجاوز نسبة الأموال داخل البنوك بين 55% إلى 60%".
ويعتقد أن "هذا الواقع يعكس تحديات هيكلية في القطاع المالي، أبرزها ضعف الثقة بالمصارف وتراجع استخدام الأدوات المصرفية الحديثة مقارنة بالتعامل النقدي المباشر".
ويختم الحسني، حديثه قائلاً إن "أغلب مناطق العراق، خاصة أسواق الجملة مثل الشورجة وجميلة وغيرها، ما تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الكاش في التعاملات اليومية، مع ضعف الإقبال على الدفع الإلكتروني نتيجة عدم الثقة بالمصارف والخوف من المشكلات الفنية أو الأمنية المرتبطة بالبطاقات والحسابات البنكية".