العِقال.. خيط "الهيبة" للرجل العراقي وإرث لا ينقطع (صور)
شفق نيوز- النجف
من رأس طفل في البادية إلى مجالس الرجال، ومن رعي المواشي إلى المناسبات الاجتماعية، ظل العِقال حاضراً في تفاصيل الحياة العراقية، لا بوصفه قطعة من الزي التقليدي فحسب، بل رمزاً للوقار والهيبة وتحمل المسؤولية، وقطعة تحمل في شكلها البسيط ذاكرة اجتماعية متوارثة بين الأجيال.
وفي القرى والأرياف والبادية، يحرص بعض الآباء على وضع العِقال على رؤوس أطفالهم منذ سن الخامسة تقريباً، في محاولة لتعريفهم مبكراً بتقاليد الآباء والأجداد، وتعويدهم على الكرم وحسن الضيافة واحترام الآخرين والجلوس مع كبار السن والاستماع إلى أحاديثهم وتجاربهم.
ومع انتقال الطفل إلى مرحلة الشباب، يتغير معنى العِقال في نظر المجتمع، إذ يصبح ارتداؤه مرتبطاً بصورة الرجل الأكثر وقاراً ومسؤولية، والذي يُنتظر منه أن تكون كلماته موزونة وتصرفاته محسوبة، وأن يسير وفق القيم والتقاليد التي نشأ عليها.
ويقول هادي الغزالي، أحد أبناء البادية، لـ”شفق نيوز”، إن أبناء البادية يحرصون على تعويد أبنائهم على ارتداء العِقال منذ سن الخامسة تقريباً، بهدف تعريفهم بتقاليد الآباء والأجداد وتعليمهم احترام الآخرين وكرم الضيافة، فضلاً عن الجلوس مع كبار السن والتعلم من أحاديثهم وتجاربهم.
ويضيف الغزالي أن العِقال يمنح الرجل مكانة اجتماعية أكبر داخل مجتمع البادية، ويجعله أكثر حرصاً على الالتزام بالسلوك الذي يراه المجتمع مناسباً والسير في الطريق الصحيح وفقاً للقيم والتقاليد المتوارثة.
العِقال المعاصر
لكن حكاية غطاء الرأس في العراق لا تبدأ من البادية أو الأسواق الحديثة، فآثار بلاد الرافدين تقدم شواهد قديمة على أهمية أغطية الرأس ودلالاتها الاجتماعية والسياسية.
ويقول الباحث الآثاري برهان الدلفي لـ”شفق نيوز”، إن النظر إلى العِقال فوق الكوفية أو الغترة اليوم يجعل من الصعب تصور أن تقاليد غطاء الرأس في العراق تعود إلى عصور موغلة في القدم، مبيناً أن تماثيل حكام بلاد الرافدين تفتح باباً مهماً للبحث في تاريخ أغطية الرأس وتطورها عبر آلاف السنين.
ويضيف الدلفي أن من أبرز الشواهد تماثيل كوديا، حاكم لكش السومرية، الذي عاش في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، إذ يظهر في عدد من تماثيله بغطاء رأس مميز، فيما يصف متحف اللوفر هذا الغطاء بأنه غطاء رأس ملكي، وتعود إحدى أشهر القطع، وهي رأس كوديا، إلى نحو 2120–2110 قبل الميلاد.
ويؤكد الباحث أن الدقة العلمية تفرض التمييز بين غطاء رأس كوديا والعِقال المعروف اليوم؛ فغطاء الرأس في تماثيل كوديا كان قطعة كاملة تغطي الرأس، بينما العِقال بصورته المعاصرة رباط دائري مستقل يوضع فوق غطاء الرأس لتثبيته.
أما العِقال بصورته المعروفة اليوم، فيوضح الدلفي، فقد أصبح مع مرور الزمن جزءاً من الزي العربي، واكتسب دلالات اجتماعية وثقافية ارتبطت بالوقار والهيبة ومكانة الرجل داخل مجتمعه.
ويشدد على أن التشابه في الشكل لا يمكن أن يكون وحده دليلاً على استمرارية تاريخية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن العراقيين القدماء عرفوا أغطية رأس ذات أهمية رمزية منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وأن تماثيل حكام بلاد الرافدين تقدم شواهد واضحة على مكانتها في المجتمع القديم.
حرفة العِقال
ومن الآثار إلى الأسواق، لا تزال النجف تحتفظ بحرفة صناعة العِقال، التي تحولت إلى مهنة تتوارثها الأجيال وتصل منتجاتها إلى مناطق مختلفة داخل العراق وخارجه.
ويقول رحمن تويج، صاحب محل لبيع العِقال والكوفية، لـ”شفق نيوز”، إن صناعة العِقال بمختلف أنواعه تشتهر بها مدينة النجف، مبيناً أن منتجاتها لا تقتصر على السوق المحلية، بل تصل إلى زبائن من داخل العراق وخارجه.
ويشير تويج إلى وجود أنواع متعددة من العِقال، من بينها المرعز والسوري والأجنبي، موضحاً أن العِقال المرعز من الأنواع المعروفة في النجف، ويُصنع من خيوط نسيجية تصل إلى المدينة عبر الشام، قبل أن يتولى أصحاب المهنة خياطته وتجهيزه وطرحه في الأسواق.
ويبين أن العِقال المرعز يأتي بعدة أنواع من حيث الملمس والشكل، بينها الأملس والخشن والناعم، لافتاً إلى أن لكل منطقة تفضيلاتها؛ فالنوع الناعم يُقبل عليه أبناء المنطقة الغربية، بينما يفضل أبناء محافظات الوسط والجنوب العِقال المرعز المعروف بـ“أبو الشعر”.
ويضيف أن من الأنواع الأخرى العِقال المقدّف، أو ما يعرف بالعِقال القديفة، وهو من الأنواع التي يرتديها أبناء محافظة ميسان، موضحاً أن هذا النوع حديث نسبياً، وتُستخدم في صناعته خيوط يابانية، فيما تتم عملية تصنيعه في النجف.
ويستذكر تويج أن صناعة العِقال قبل عام 2003 كانت تمر بمراحل مختلفة، مبيناً أن أصحاب المهنة كانوا يشترون العِقال المرعز من سنجار والموصل، ثم يرسلونه إلى مراحل الغزل والغسل والصبغ، قبل إعادته وتجهيزه للبيع.
أما اليوم، فيوضح أن دخول مكائن الخياطة أسهم في تسهيل الكثير من مراحل العمل، ولا سيما الغزل والخياطة، وساعد أصحاب المهنة على إنتاج أنواع مختلفة خلال وقت أقل.
وعن الأسعار، يقول تويج إن أسعار العِقال تبدأ من نحو 4 آلاف دينار عراقي وترتفع بحسب النوع والجودة وطريقة التصنيع، وصولاً إلى نحو 300 ألف دينار، فيما توجد أنواع تُصنع وفق طلب الزبون وتفصيله الخاص.
عراقي أم خليجي؟
وفي قلب سوق العبايجية وسط مدينة النجف، وعلى مقربة من مرقد الإمام علي (ع)، تتواصل حكاية العِقال بأنواع وأشكال مختلفة، فيما يحتفظ العِقال العراقي بخصائص تميزه عن بعض الأنواع المتداولة في دول الخليج.
ويقول أبو علي النجفي، صاحب محل لبيع العِقال في سوق العبايجية، لـ”شفق نيوز”، إن العِقال العربي يحمل سمات تختلف من منطقة إلى أخرى تبعاً للبيئة والثقافة والعادات المحلية، مبيناً أن الفروقات بين العِقال العراقي والخليجي تظهر في الشكل والمواد والوزن وطريقة التصنيع.
ويوضح أن العِقال العراقي يتميز عادةً بسُمك متوسط إلى عريض، ويكون أكثر اكتنازاً واستدارة فوق الرأس، بينما يأتي العِقال الخليجي، في بعض أنواعه، بسُمك أقل ويكون أكثر تسطحاً وأقل بروزاً.
أما من حيث المواد، فيشير أبو علي إلى أن العِقال العراقي يُصنع تقليدياً من صوف الماعز المعروف بالمرعز إلى جانب الحرير في بعض الأنواع، ويتميز غالباً بلونه الأسود الداكن ومظهره غير اللامع، بينما تدخل في صناعة بعض الأنواع الخليجية خامات أخرى، بينها الصوف والألياف الصناعية، وقد تتميز بعض الأنواع بلمعان واضح.
ويضيف أن الوزن والمرونة يشكلان فارقاً آخر؛ فالعِقال العراقي يكون أثقل نسبياً وأكثر تماسكاً، ويحافظ على شكله الدائري فوق الكوفية أو اليشماغ، بينما تميل بعض الأنواع الخليجية إلى الخفة والمرونة.
ومن الفروقات أيضاً الزوائد أو الشرابات الخلفية، إذ يأتي العِقال العراقي في الغالب بشكل سادة ومن دون حبال متدلية من الخلف، بينما تظهر هذه الزوائد في بعض الأنواع الخليجية، وتعرف في بعض البلدان بتسميات مثل “الكركوشة” أو “الهدب”، مع اختلافها من دولة إلى أخرى.
ويؤكد أبو علي أن هذه الاختلافات تكشف تنوع الزي التقليدي وتكيفه مع البيئات والثقافات المحلية، فيما يبقى العِقال في العراق جزءاً حاضراً من الموروث الاجتماعي والزي التقليدي، ولا سيما في مناطق الريف والبادية.
وفي النهاية، يبقى العِقال أكثر من خيوط سوداء تعتلي الرأس؛ فهو في البادية علامة انتقال إلى الرجولة، وفي مجالس الرجال عنوان للوقار، وفي الأسواق حرفة متوارثة، وفي الذاكرة العراقية قطعة من زيّ حملته الأجيال وحافظت على حضوره رغم تغير الأزمنة.