اقتصاد على حافة النفط.. خريطة طريق للانفتاح الكبير في العراق
شفق نيوز- بغداد
مع تصاعد الضغوط الاقتصادية في العراق خلال السنوات الأخيرة، بدأ ملف تنويع الاقتصاد المحلي والتحول من نموذج الدولة الريعية إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي يحتل صدارة الأولويات الوطنية.
ويعتمد العراق منذ عقود على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات العامة، ما جعله عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وزاد من هشاشة المالية العامة، وأصبح القطاع الخاص هامشياً في العملية الاقتصادية، على الرغم من إمكاناته الكبيرة.
لكن مع استمرار تراجع الإيرادات النفطية وتأخر الرواتب وارتفاع الالتزامات المالية، أصبحت الحاجة إلى استراتيجية واضحة لتنشيط القطاع الخاص ضرورة وجودية، بحسب خبراء ومحللين اقتصاديين ومسؤولين حكوميين.
الأزمة الاقتصادية
وفي هذا السياق، يشير عضو مجلس النواب العراقي، غيث الكلابي، إلى أن الأزمة الاقتصادية الراهنة هي انعكاس مباشر لاعتماد الاقتصاد العراقي على النفط.
ويقول الكلابي لوكالة شفق نيوز، إن "أساس الأزمة التي يعاني منها العراق هو الاقتصاد الريعي القائم على أسعار النفط، وهذا خطر كبير على الأمن القومي الاقتصادي، إذ يمكن أن ينهار البلد اقتصادياً إذا أصبح كل شيء مرتبطاً بأسعار النفط فقط".
ويضيف أن "الموازنة وخزينة الدولة مبنية على واردات من المبيعات النفطية اليومية، وبالتالي هناك حاجة لرؤية استراتيجية، وإن كانت متأخرة الآن."
ويوضح أن "الحكومات السابقة، في فترات ارتفاع أسعار النفط، كان بإمكانها استثمار الفوائض لبناء اقتصاد بديل، لكن هذا لم يحدث، والآن يتحمل المواطن عبء سوء الإدارة المالية السابقة".
ويرى الكلابي أن "في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، الحلول المقترحة من قبل الحكومة كثيراً ما تكون على حساب المواطن الذي لم يكن طرفاً في القرارات الاقتصادية الجوهرية."
موازنة ريعية
من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، أن الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية لتغطية الرواتب والنفقات العامة يمثل خياراً قصير الأمد وعال المخاطر.
ويبين عبد ربه لوكالة شفق نيوز، أن "العراق اليوم يعتمد بأكثر من 90% من إيراداته العامة على تصدير النفط، أي أن الموازنة والرواتب والدعم وحتى المشاريع الخدمية كلها مربوطة بسعر برميل النفط في الأسواق العالمية".
ووفقاً للخبير، فإن "أي هبوط مفاجئ في الأسعار يحول الفائض إلى عجز خلال أشهر، ويضع الحكومة أمام خيارين الاستدانة أو تأجيل الالتزامات، وهذا النمط يخلق هشاشة مالية مزمنة."
ويلفت عبد ربه إلى أن الهيكل الحالي للإنفاق العام يميل نحو الرواتب والتشغيل وليس نحو الاستثمار الإنتاجي، قائلاً إن "مع النمو السكاني السريع ودخول مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل سنوياً، لا يمكن للدولة أن تستمر بتوظيف الجميع في القطاع العام".
لهذا يؤكد الخبير الاقتصادي أن "إنعاش القطاع الخاص لم يعد خياراً إصلاحياً تجميلياً، بل أصبح خياراً وجودياً، إذ أن بدون قطاع خاص حقيقي ومنتج، لن يكون هناك تنويع في مصادر الدخل ولا قدرة على امتصاص البطالة ولا نمو مستدام خارج الدورة النفطية."
ويشدد على أن "القطاع الخاص المنتج – لا الوسيط التجاري – هو مفتاح الاقتصاد الجديد، إذ يمتلك العراق إمكانات كبيرة في الزراعة والصناعات الغذائية والبتروكيمياويات ومواد البناء والنقل والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي".
لكن هذه القطاعات تحتاج إلى "بيئة أعمال مستقرة ونظام مصرفي فاعل وتمويل حقيقي وحماية قانونية ومحاربة جدية للفساد والبيروقراطية"، يقول عبد ربه.
القطاع الخاص
وفي هذا الجانب، يوضح الناطق باسم وزارة التخطيط العراقية، عبد الزهرة الهنداوي، أن الحكومة تتبنى استراتيجية متدرجة لتعزيز دور القطاع الخاص، حيث إن عملية الدعم والتمكين مستمرة من قبل الحكومة بمختلف مفاصلها من أجل أن يكون للقطاع الخاص شراكة حقيقية مع القطاع العام.
ويؤكد الهنداوي لوكالة شفق نيوز، أن "وزارة التخطيط أطلقت في سنوات سابقة استراتيجية تطوير القطاع الخاص لغاية عام 2030، وهي تتألف من ثلاث مراحل الأولى التهيئة، والثانية التمكين، والثالثة القيادة والريادة."
ويضيف أن هذه الاستراتيجية تم ترجمتها إلى خطوات عملية من خلال المجلس الدائم لتطوير القطاع الخاص، مبيناً أن المجلس يضم ممثلين عن كل الفعاليات والقطاعات الاقتصادية، ويترأسه رئيس الوزراء، ويكون وزير التخطيط نائباً أول، وأحد رجال الأعمال نائباً ثانياً.
ويشير إلى أن "المجلس بدأ عمله مطلع عام 2025 وساهم في تطوير القطاع الخاص عبر دعم المقاولات وتصنيف الشركات العراقية، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالتقديم والتسجيل وتنفيذ المشاريع."
ويلفت الهنداوي إلى أن خطة التنمية الخمسية تقدر مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات بحوالي 35%، أي ما يعادل 84 تريليون دينار، مع الطموح لرفع هذه النسبة إلى 50%، وتبلغ مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي نحو 37%، ما يعكس تنامي دوره بشكل واضح.
خلق الوظائف
من جهته، يركز الخبير الاقتصادي صفوان قصي، على أن دعم القطاع الخاص يجب أن يكون مدخلاً لإنشاء فرص عمل حقيقية وتحسين مستوى دخل الفرد.
ويقول قصي لوكالة شفق نيوز، إنه "على الرغم من أن بند الرواتب والمتقاعدين والرعاية يمكن تغطيته من الإيرادات النفطية بسعر 45 دولاراً للبرميل، إلا أن البلاد تتطلع إلى زيادة الرفاهية وقدرة المواطن على رفع مستوى الدخل، لذلك تتجه إلى خلق فرص عمل في القطاع الخاص النظامي، وفتح مجالات الاستثمار في السياحة والصناعة والزراعة، وإنتاج السلع محلياً بدل الاستيراد."
ويضيف أن الشباب العراقي يمثلون طاقة إنتاجية هائلة، قائلاً إن "الطاقات الشبابية أكثر من 60% من الشعب، ما يتيح إمكانية تخفيض تكاليف الإنتاج واستيعاب هذه الطاقات في بيئة مستقرة، إلى جانب استكمال مشاريع البنية التحتية مثل ميناء الفاو ومطارات جديدة وطرق نقل سريعة وقطارات، وفتح أبواب التعاون المالي مع دول الخليج."
كما يرى أن إعادة توجيه الدعم من العاطلين نحو المنتجين يمكن أن يوسع دائرة الإنتاج ويقلل الاعتماد على الإعانات السنوية البالغة نحو 14 تريليون دينار.
ويؤكد قصي في النهاية "الحاجة إلى دعم المنتج بدلاً من دعم العاطل، بحيث يقوم المستثمر بإنشاء المدن الصناعية ويعرضها للاستثمار في مشاريع صغيرة ومتوسطة، مع توجيه الشباب نحو الإنتاج والتدريب المهني."