مصانع متوقفة وعقود متعثرة.. مركز بحوث يضع خريطة إنقاذ الصناعة العراقية
شفق نيوز- ترجمة خاصة
يحتاج العراق إلى إصلاح صناعي حقيقي لبناء دولة، لأن قياس النجاح لا يتم من خلال عدد العقود واللجان والموظفين، وإنما بحسب ما يقول معهد "مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية" الذي يتخذ من عمان مقرا له، بالإجابة على أسئلة مثل: كم مصنعاً أعيد إلى الحياة؟ وكم فرصة عمل حقيقية خلقنا؟ وكم استثماراً جذبنا؟ وكم تكنولوجيا نقلنا؟ وكم استيراداً استبدلنا بإنتاج عراقي حقيقي؟ وكم دولاراً أضفنا إلى صادرات العراق؟.
وقال "مركز الروابط" في تقرير له من أميركا، ترجمته وكالة شفق نيوز، إن العراق يمتلك مقومات صناعية كبيرة قلما تجتمع في دولة واحدة، موارد نفطية وغازية ومعدنية واسعة، وسوق محلية كبيرة، وموقع جغرافي يربط الخليج بتركيا وإيران وبلاد الشام، بالإضافة إلى قوة عاملة يمكن تطويرها لتصبح قاعدة لصناعات تحويلية وتصديرية قادرة على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط والاستيراد.
إلا أن التقرير اعتبر أن القطاع الصناعي العراقي لا يزال أقل بكثير من إمكاناته الحقيقية، مشيراً إلى وجود عشرات المصانع المتوقفة عن العمل أو تعمل بأقل من طاقتها، وفيما الاستيراد ينافس المنتج المحلي بقوة، والمستثمر يواجه إجراءات طويلة ومتعددة الجهات، بينما تعتمد شركات حكومية كثيرة على عقود المشاركة والتأهيل مع القطاع الخاص لإعادة تشغيل مصانعها.
ولهذا، رأى التقرير أن المشكلة لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة مثل "الفساد"، موضحا أن ما يظهر عند دراسة واقع وزارة الصناعة والمعادن، هو أنها منظومة متداخلة من الترهل الإداري، وضعف الحوكمة، والبيروقراطية، وتضخم العمالة، وتعثر الشركات العامة، وضعف الشفافية، وكثرة عقود المشاركة، إضافة إلى ملفات فساد مثبتة قضائياً وشبهات أخرى تستوجب التحقيق.
وتابع قائلا إن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد فساد أم لا؟ بل: لماذا لا تتحول موارد العراق ومصانعه ومؤسساته إلى إنتاج وتصدير وفرص عمل ونمو اقتصادي؟".
وتناول التقرير 12 سبباً لذلك، قائلاً أولا إن وزارة الصناعة تشرف على شبكة كبيرة من الشركات والمصانع الحكومية، وتشير بيانات معلنة في العام 2026 إلى وجود 31 شركة عامة و312 معملاً، منها 225 معملاً عاملاً و87 معملاً متوقفاً.
ولفت إلى أن وجود هذا العدد من المصانع المتوقفة يطرح أسئلة اقتصادية وإدارية أساسية: ما أسباب توقف كل مصنع؟ هل المشكلة في التكنولوجيا القديمة، أم الإدارة، أم نقص التمويل، أم الطاقة، أم المنافسة الخارجية، أم توفر المواد الأولية؟ ولماذا تستمر بعض المنشآت لسنوات طويلة دون قرار واضح بإعادة تأهيلها أو تحويلها أو إغلاقها أو إشراك القطاع الخاص فيها؟.
وعن السبب الثاني، تحدث التقرير كذلك عن البطالة المقنعة وتضخم الجهاز الإداري، مضيفا أن من أخطر الأسئلة المتعلقة بالشركات العامة هو مدى تناسب عدد العاملين مع حجم الإنتاج الحقيقي.
وأوضح أن وجود موظفين وفنيين ومهندسين في وزارة الصناعة أمر طبيعي وضروري، إذ أن الصناعة تحتاج إلى الهندسة، والبحث والتطوير، وضبط الجودة، والتسويق، والاستثمار، والتخطيط، والصيانة، والمالية والشؤون القانونية، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يمتلك مصنع متوقف أو ضعيف الإنتاج، عدداً كبيراً من العاملين دون أن يقابله إنتاج أو إيرادات مناسبة.
وتابع قائلا إنه في مثل هذه الحالة تظهر ما يعرف اقتصادياً بالبطالة المقنعة، التي وصفها بأنها ليست بالضرورة فساداً جنائياً، لأنها قد تكون نتيجة إرث اقتصادي طويل، أو تعيينات حكومية، أو توقف المصانع والحروب وعدم تحديث خطوط الإنتاج، لكنها تتحول إلى هدر إداري ومالي مزمن عندما يستمر الوضع سنوات من دون إعادة تدريب العاملين أو توزيعهم أو تطوير المنشأة أو قياس إنتاجيتهم.
وأضاف أن الحل لا يكون بتسريح الموظفين بصورة جماعية، وإنما بوضع برنامج لإعادة تأهيل القوى العاملة ونقل المهارات إلى الصناعات الحديثة.
وفي السبب الثالث، تناول التقرير إعلان الوزارة بأن لديها 144 عقد مشاركة مع القطاع الخاص قيد التنفيذ، إضافة إلى نحو 90 عقداً يجري تقييمها، ليصل العدد إلى 234 عقداً، مضيفا أن الخطر في ذلك يبدأ عندما يتحول عقد المشاركة من وسيلة لتنمية الصناعة إلى بديل دائم عن إصلاح الشركات الحكومية أو وضع سياسة صناعية وطنية.
وأشار إلى أن نجاح الوزارة لا يحتسب بعدد العقود التي وقعتها، وإنما بما حققته هذه العقود من استثمارات فعلية، وزيادة الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وزيادة حصة الدولة، وتطوير المنتج المحلي، ورفع الصادرات.
ورابعاً قال التقرير إن أكبر مشكلة رقابية ليست وجود عقود المشاركة، بل مدى توفر المعلومات المتعلقة بها وبصورة واضحة حيث يجب أن يتوفر اسم المستثمر والمالكين الحقيقيين للشركة، وقيمة الاستثمار الموعود والمنفذ، وتقييم أصول الدولة الداخلة في العقد، ونسبة أرباح الدولة، ونسبة المستثمر، ومدة العقد، والطاقة الإنتاجية المستهدفة، وعدد الوظائف الجديدة، ونسبة المكون المحلي، وحجم الصادرات، والالتزامات البيئية، ومؤشرات الأداء.
وفي النقطة الخامسة تناول التقرير مسألة الفساد، قائلا ان وزارة الصناعة وشركاتها شهدت عبر السنوات ملفات انتهى بعضها بأحكام قضائية تتعلق بمخالفات في العقود أو الواجبات الوظيفية، مضيفا أن هذه الحالات تعني أن مخاطر الفساد في التعاقد ليست افتراضية بالكامل.
ودعا التقرير إلى التمييز قانونياً بين ثلاثة مستويات: الفساد المثبت بحكم قضائي، وشبهة فساد قيد التحقيق، وقرار إداري ضعيف أو غير اقتصادي لا يشكل بالضرورة جريمة، مضيفا أن الخلط بين هذه المستويات يضعف أي تحقيق حقيقي.
وحدد التقرير مجموعة أخرى من الأسباب هي البيروقراطية وتعقيد القرار الاستثماري؛ وتعدد اللجان وضعف المسؤولية الفردية حيث أنه عندما ينجح المشروع، تتقاسم جهات عديدة الإنجاز، وعندما يفشل، يصعب تحديد الشخص أو الجهة التي تسببت في التأخير.
ومن الأسباب أيضا، ضعف الربط بين الصناعة والبحث العلمي حيث أن الجامعات ومراكز البحث يجب أن تكون جزءا من المنظومة الصناعية، كما في ألمانيا وكندا وكوريا الجنوبية.
ومن الأسباب التي حددها أيضا، ضعف التوجه نحو التصدير، حيث أنه لا يكفي أن ينتج المصنع للسوق المحلية، بل يتم تقييمه وفق قدرته على المنافسة والتصدير.
واعتبر التقرير أن العراق يحتاج إلى التحول من شعار: "دعم المنتج الوطني"، إلى "صناعة منتج عراقي يستطيع المنافسة عالمياً".
ومن الأسباب أيضا، تناول التقرير مفهوم "صنع في العراق"، موضحا أن حماية المنتج الوطني ضرورية، لكن يجب ألا تتحول إلى حماية لمنتج لا يحتوي على قيمة عراقية حقيقية.
كما تطرق التقرير إلى مشكلة الكهرباء والطاقة والبنية التحتية حيث انه لا يمكن بناء قطاع صناعي تنافسي بكهرباء متقطعة وطاقة مرتفعة التكلفة لأن المستثمر يحسب تكلفة الوحدة المنتجة، وليس فقط قيمة الأرض أو الإعفاء الضريبي، مشيراً إلى أنه يجب أن تكون المدن الصناعية الجديدة مجهزة مسبقاً بالكهرباء والغاز والماء والطرق والاتصالات والخدمات اللوجستية.
وفي إطار السبب الـ12 قال التقرير إن الصناعة العراقية تواجه منافسة كبيرة من المنتجات المستوردة، إلا أن الحل ليس بإغلاق الأسواق بصورة عشوائية، مضيفا أن الحماية يجب أن تكون مؤقتة ومشروطة بالأداء، بحيث يمكن مثلاً حماية صناعة ناشئة لمدة 5 سنوات، بشرط أن ترفع إنتاجيتها سنوياً وأن تزيد نسبة المكون المحلي وأن تخفض التكلفة وأن تبدأ بالتصدير.
وتابع قائلا إنه في حال بقيت الشركة تعتمد على الحماية الحكومية إلى الأبد دون تطوير، فإن المستهلك العراقي هو من يدفع الثمن.
ولفت التقرير إلى أن وزارة الصناعة الحديثة لا يكون هدفها الرئيسي إدارة آلاف العمال والمصانع الحكومية بصورة مباشرة، وإنما صناعة البيئة التي تجعل الشركات قادرة على النمو والابتكار والمنافسة عالمياً، موضحا أنه من أجل ذلك، فإن الوزارات والمؤسسات الصناعية في الاقتصادات المتقدمة تعمل على جذب الاستثمار الأجنبي، وتمويل الابتكار والبحث والتطوير، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتوفير العمالة الماهرة، وربط الجامعات بالمصانع، وحماية المنافسة، وفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات الوطنية.
خارطة طريق
وطرح التقرير ما اسماه "خريطة إصلاح مقترحة لوزارة الصناعة العراقية"، تتضمن إجراء تدقيق شامل لجميع الشركات والمصانع الحكومية وتصنيفها إلى مصانع ناجحة قابلة للتوسع، ومصانع قابلة للإصلاح، ومصانع تحتاج إلى شريك استراتيجي، ومصانع لا توجد جدوى اقتصادية لاستمرارها بصورتها الحالية.
كما اقترح إنشاء منصة شفافية موحدة لعقود المشاركة تنشر تفاصيل جميع العقود والنتائج المالية والإنتاجية، وفرض تدقيق مستقل قبل توقيع أي عقد مشاركة كبير بحيث يتم تقييم أصول الدولة ودراسة الجدوى والنسبة الاقتصادية العادلة للطرفين، وإنشاء سجل معلن للمالك المستفيد الحقيقي لكل شركة تدخل في عقد حكومي لمنع الشركات الوهمية أو الشركات المرتبطة سراً بأصحاب النفوذ.
كما اقترح التقرير تحويل الاستثمار الصناعي إلى نافذة إلكترونية واحدة بحيث يقدم المستثمر طلباً واحداً وتتكفل الدولة بتنسيق الموافقات بين مؤسساتها.
واقترح التقرير أيضا تحديد مدد قانونية للموافقات، بحيث إذا لم ترد الدائرة خلال مدة محددة يجب أن يتم تصعيد الطلب تلقائياً إلى مستوى أعلى.
ودعا التقرير إلى مراجعة القوى العاملة وإطلاق برنامج واسع لإعادة التدريب في الأتمتة والطاقة المتجددة والصيانة الحديثة والذكاء الاصطناعي الصناعي وضبط الجودة،كما اقترح ربط رواتب ومكافآت الإدارات العليا للشركات الحكومية بمؤشرات الأداء وليس بعدد الكتب الرسمية والاجتماعات.
واقترح التقرير كذلك إنشاء مجلس وطني للتنمية الصناعية يضم الصناعة والتجارة والمالية والطاقة والتخطيط والتعليم العالي وهيئة الاستثمار والقطاع الخاص لضمان ألا تعمل سياسة الدولة الصناعية داخل وزارة واحدة منعزلة.
ودعا التقرير إلى اختيار عدد محدود من القطاعات التي يمتلك فيها العراق ميزة حقيقية، مثل البتروكيماويات والأسمدة والصناعات الغذائية والأدوية ومواد البناء والمعادن والصناعات المرتبطة بالطاقة، وتركيز الموارد عليها بدلاً من تشتيتها.
كما اقترح اعتماد سياسة واضحة لزيادة القيمة المضافة العراقية ونسبة المحتوى المحلي في المنتجات، داعياً إلى تحويل السياسة الصناعية تدريجياً من إنتاج للسوق العراقية فقط إلى سياسة صناعية تصديرية تستهدف أسواق الخليج والمنطقة والعالم.
وبينما اقترح التقرير إنشاء محاكم أو مسارات تجارية سريعة ومتخصصة لنزاعات المستثمرين حتى لا يبقى المشروع سنوات بانتظار حسم النزاع، دعا أيضا إلى نشر تقرير سنوي علني بعنوان "حالة الصناعة العراقية" يتضمن إنتاج كل شركة وأرباحها وخسائرها وصادراتها وعدد موظفيها وعقودها واستثماراتها.
وختم التقرير قائلاً إن الإصلاح الجوهري يجب أن يغير السؤال الذي تسأله وزارة الصناعة عن نفسها، فبدلا من: كم شركة ومعملاً نملك؟ يجب أن يصبح السؤال: كم قيمة اقتصادية أضافت الصناعة للعراق؟ وبدلاً من: كم عقد مشاركة وقّعنا؟ يصبح كم استثماراً تحول إلى مصنع منتج؟ وبدلاً من: كم موظفاً لدينا؟ يصبح: كم تبلغ إنتاجية الموظف والمنشأة؟ وبدلاً من: كم منتجاً حمينا من الاستيراد؟ يصبح: كم منتجاً عراقياً أصبح قادراً على التصدير؟.