"بحر غزة".. الصيد أصبح ثمنه الموت (صور)

"بحر غزة".. الصيد أصبح ثمنه الموت (صور)
2026-01-27T08:29:54+00:00

شفق نيوز- قطاع غزة

على رمال ساحل غزة، ما تزال بقايا القوارب المحطّمة شاخصة كقبورٍ خشبية تروي حكاية قطاعٍ منكوب، حيث لم يعد البحر حضناً للرزق، بل ساحة مفتوحة للمخاطر. 

لم تكن الحرب مجرّد عاصفة عابرة، بل خلّفت وراءها مراكب صدئة وشباكاً ممزقة، كشواهد على ما يصفه الصيادون بـ "الإبادة المعيشية" التي استهدفت آخر شرايين الحياة.

اليوم، يقف الصياد الفلسطيني أمام واقع قاسٍ، فالقوارب التي كانت تمخر عباب البحر تحوّلت إلى هياكل خاوية تتكئ على بعضها، فيما بات الإبحار مغامرة غير مأمونة العواقب، في ظل اعتداءات يومية وملاحقات مستمرة جعلت من مهنة الصيد طريقاً محفوفاً بالاعتقال أو الإصابة أو الموت.

خلف هذا المشهد الجنائزي للمعدات، يختبئ انهيار شبه كامل لمنظومة الأمن الغذائي في القطاع. فالقيود المشددة وتقليص مساحات الصيد حوّلت الأسواق إلى مساحات شبه خالية من الأسماك، التي شكّلت لعقود غذاءً أساسيًا لسكان غزة.

البحر مغلق

يروي الصياد ياسين أحمد تفاصيل المعاناة من قلب البحر، مؤكداً أن الساحل مغلق بالكامل، وأن الزوارق الحربية لا تترك للصيادين أي هامش أمان.

ويقول أحمد، لوكالة شفق نيوز، إن "البحر اليوم، مغلق بشكل تام أينما تدخل تجد الطراد أمامك عندنا مقولة (الداخل للبحر مفقود والخارج منه مولود، تدخل وما بتعرف إذا راجع مصاب، أو معتقل، أو ما ترجعش)".

ويشير أحمد إلى أن المضايقات لم تكن جديدة، لكنها تضاعفت بعد الحرب، موضحاً أن مساحات الصيد تقلصت من 9 أميال في أحسن الأحوال قبل الحرب، إلى أمتار قليلة اليوم، لا تحمي الصياد من الملاحقة ولا تضمن له صيداً.

ويكمل أن أكثر من 90% من قوارب الصيد دُمّرت بشكل كامل، ولم يتبقَّ سوى قوارب صغيرة غير قادرة على مواجهة البحر العالي أو الهروب من الزوارق السريعة، بحسب حديثه.

ويضيف أن القوارب الصغيرة "مابتسلمش" من الاستهداف. البحر عالٍ، والموج قاتل، والزورق الحربي أسرع منك. فتصبح أمام خيارين احلاهما مر  "تستشهد" أو يتم اعتقالك.

هذا الواقع دفع العديد من الصيادين إلى التوقف عن النزول للبحر، خاصة بعد مشاهدة زملائهم يعودون من الاعتقال بعلامات تعذيب واضحة، أو لا يعودون أصلًا.

لم تتوقف الخسارة عند القوارب، بل امتدت إلى أدوات الصيد التي تضاعفت أسعارها بشكل خيالي، حيث يؤكد أحمد، أن قطعة المطاط التي كانت تُشترى قبل الحرب بـ300 شيكل، بات سعرها اليوم يتجاوز 1200 شيكل، فيما قفز سعر حبال الصيد من خمسة شواكل إلى مئات الشواكل.

أما مواد التصنيع والصيانة، كالفيبرجلاس، فقد ارتفع سعر الكيلوغرام الواحد من 50 شيكلاً إلى ما يقارب 2000 شيكل، ما جعل إصلاح القوارب أمراً شبه مستحيل، ودفع الصيادين إلى "ترقيع المستحيل" فقط للبقاء.

القتل مستمر رغم وقف النار

ويتحدث صياد فلسطيني لوكالة شفق نيوز، أثناء إصلاحه لشبكة الصيد على شاطئ دير البلح وسط قطاع غزة، أن وقف إطلاق النار في البحر لم يغيّر شيئاً من الواقع.

وتابع قائلاً إن "القتل والاعتقال ما زالا مستمرين، حتى في المساحة المحدودة، يتم اعتقال الصياد. "إحنا ما إلنا شغل غير البحر، بنرجع له رغم الخطر لأنه ما في بديل".

ويوضح أن معظم الصيادين تعرضوا للإصابة أو فقدوا زملاء لهم، مبيناً أن المهنة تحولت إلى صراع يومي مع الموت، في ظل غياب أي حماية أو أفق للحل.

انهيار شامل للصيد

لم يؤدِّ تدمير القوارب إلى كسر الخشب فحسب، بل كسر دورة الإنتاج كاملة، دافعاً آلاف الصيادين خارج سوق العمل، ورافعاً معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت باتت فيه الأسماك سلعة نادرة وباهظة الثمن.

من جانبه، يؤكد زكريا بكر، نقيب العاملين في مجال الصيد بغزة، أن ما يشهده القطاع البحري لا يمكن وصفه بأزمة عابرة، بل هو انهيار ممنهج استهدف أحد أهم القطاعات الاقتصادية والمعيشية في القطاع.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يرى بكر أن الحرب تسببت في تدمير أكثر من 1900 قارب ولنش صيد، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الصيادين إلى أكثر من 95%، بالتزامن مع انهيار حاد في الإنتاج السمكي، حيث تراجع المعدل اليومي من نحو 10 أطنان قبل الحرب إلى أقل من 300 كيلوغرام في الوقت الراهن.

ويكشف بكر عن مقتل 230 صياداً منذ اندلاع الحرب، بينهم 65 صياداً استُهدفوا بشكل مباشر أثناء ممارستهم العمل في البحر، إضافة إلى اعتقال 40 صياداً، من بينهم 15 حالة اعتقال بعد سريان وقف إطلاق النار، معتبراً ذلك مؤشراً واضحاً على استمرار سياسة الاستهداف الممنهج بحق الصيادين.

كما يلفت إلى أن مساحة الصيد المتاحة تقلّصت بشكل غير مسبوق لتتراوح بين 200 و350 متراً فقط على امتداد الساحل، الأمر الذي أدى إلى تكدّس خطير للصيادين وفرض واقع من الصيد الجائر القسري، ما يهدد المخزون السمكي ومستقبل المهنة. ويشدد على أن استمرار هذا الواقع يفاقم مستويات الفقر والبطالة، مؤكدا أن دعم الصيادين وإعادة تشغيل المراكب والمنشآت البحرية بات ضرورة ملحّة للحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في غزة.

بينما يحذر وليد ثابت، المدير العام للإدارة العامة للثروة السمكية بوزارة الزراعة، من وصول قطاع الصيد البحري في غزة إلى مرحلة الانهيار الوشيك، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية وتوقف النشاط البحري بشكل شبه كامل. 

وأوضح أن الحرب أدت إلى تدمير 250 غرفة مخصصة للصيادين واستهداف مقر الثروة السمكية بالكامل، ما أسفر عن خسائر مباشرة تُقدّر بنحو 110 ملايين دولار.

ويشير ثابت، إلى أن هذا الانهيار جاء بعد أن كان هذا القطاع يشكّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي في غزة، حيث تجاوز معدل إنتاج الأسماك قبل الحرب خمسة آلاف طن سنوياً، إلى جانب نحو 600 طن من إنتاج المزارع السمكية، وكان يوفر مصدر رزق مباشر لنحو 6 آلاف فلسطيني، إضافة إلى مئات العاملين في المرافئ والمنشآت المرتبطة بالقطاع، وتعتمد عليه آلاف الأسر كمورد معيشي رئيسي.

ويبيّن ثابت أن الواقع الحالي يعكس تراجعاً حاداً في القوى العاملة، إذ لم يتبقَّ سوى نحو 440 صياداً يعملون فعلياً، من أصل 4500 صياد مسجّلين رسمياً في وزارة الزراعة الفلسطينية بغزة، في ظل قيود مشددة ومخاطر أمنية تحول دون عودة الغالبية إلى العمل.

ويكمل أن مساحة الصيد تقلّصت بشكل غير مسبوق لتتراوح بين 200 و350 متراً فقط على امتداد الساحل، ما أدى إلى تكدس خطير للصيادين وفرض نمط من الصيد الجائر القسري، مهددًا المخزون السمكي ومستقبل القطاع. 

ويشدّد على أن استمرار هذا الوضع يفاقم مستويات الفقر والبطالة، مضيفاً أن دعم الصيادين وإعادة تشغيل المراكب والمزارع السمكية بات ضرورة ملحّة للحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في غزة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon