كركوك ذاكرة لاتشيخ
امير الداغستاني
حينما تمشي في كركوك ، تشعر ان الذكريات تسير الى جانبك ، وكأن المدينة تهمس لك بحكايات الزمن الجميل ، ففي كل زاوية يفوح عبق الماضي ، وتنبعث رائحة ايام تركت في القلوب اثراً لا يمحوه الزمن رغم ان ملامحها لم تعد كما كانت .
في كركوك ماتزال رائحة الماضي تعبق في الأزقة القديمة ، وكأنها ترفض ان تغادر .
حيث كانت البيوت متجاورة والقلوب أقرب من الجدران ، كان الجار يعرف تفاصيل حياة جاره ، ويشاركه أفراحه دون ان يسأله عن قوميته أو دينه ، المسلم والمسيحي ، العربي والكردي والتركماني ، كانوا جميعاً أبناء مدينة واحدة ، جمعتهم المحبة قبل ان تجمعهم الجغرافيا ، وصاغت بينهم الأيام روابط أقوى من كل الانتماءات الضيقة .
وحين تصل الى شارع احمد اغا ، تشعر أنك دخلت متحفاً مفتوحاً للحياة الكركوكية الأصيلة ، فما زالت ملامح الماضي تنبض في واجهات المحال القديمة ، وفي المقاهي الشعبية التي احتفظت بروحها رغم تعاقب السنين .
أجلس قرب نافذة أحد تلك المقاهي ، أحتسي استكان الشاي ، وأراقب صباح كركوك وهو يستيقظ على مهل فأستحضر في تلك اللحظة قول الله تعالى : (والصبح إذا تنفس) وكأن الاية تصف هذا المشهد بكل تفاصيله .. نسائم عليلة ، وخطوات متسارعة ، ووجوه تحمل هموم الحياة وامل يوم جديد .
تمر أمامك العربات اليدوية التي يدفعها رجال أنهكتهم السنون ، لكنهم لم يفقدوا عزيمتهم ، يرتدون الدشداشة ويضعون العرقجين على رؤوسهم ويشدون أوساطهم بالأحزمة ، بينما تتصبب قطرات العرق من جباههم وهم ينقلون أرزاق الناس ، ورغم قسوة التعب ، ترى في أعينهم رضا الانسان الذي يدرك ان الكدح بشرف هو أجمل صور الكرامة .
ومن الجهة الأخرى يتصاعد عبق الخبز الساخن من التنور ، فتغمر رائحته المكان وتوقظ في الذاكرة صور الصباحات القديمة ، يقف الخباز منهمكاً في عمله ويبيع الارغفة للناس ، فيما ينتظر سائق سيارة الاجرة اول راكب يرافقه في رحلة النهار ، وعلى امتداد الشارع تصطف عربات الخضراوات والفواكه بألوانها الزاهية ، ويصدح الباعة بأصواتهم التي أصبحت جزءاً من موسيقى المدينة اليومية ، يعلنون عن خيرات الارض التي طالما اشتهرت بها كركوك .
وعند ركن احمد اغا ، تقف الدكاكين القديمة شامخة في وجه الزمن ، تعرض الجبن والقيمر والحليب والزبدة وسائر منتجات الألبان ، وكأنها تروي للأجيال حكاية مهنة توارثها الاباء عن الأجداد ، انها ليست مجرد متاجر ، بل صفحات من تاريخ المدينة ، وعلامات مضيئة على أصالتها وهويتها .
ورغم ما مرت به كركوك من احداث وتحولات ، بقيت مدينة عصية على النسيان ، حاولت السياسة ان تزرع بين أبنائها ما لم تعرفه يوماً ، وان تضعف روحها التي قامت على التعايش والتاخي ، الا ان كركوك كانت وما تزال أكبر من خلافات السياسيين ، وأعمق من مشاريع الفرقة والانقسام .
ستبقى كركوك مدينة لا تقاس بجمال تراثها وشوارعها فحسب ، بل بطيبة أهلها ، وبذاكرتها التي تسكن القلوب وبقدرتها العجيبة على ان تجعل كل من عاش فيها يحملها معه أينما ذهب ، فهي ليست مجرد مدينة على خارطة العراق ، بل وطن صغير يسكن الوجدان ، وكلما أبعدتنا عنها المسافات ، ازدادت حضوراً في أرواحنا ، واتسعت مساحة الشوق اليها .