ظلال الصراع في واشنطن : ترامب وأروقة السلطة المهتزة
دعاء هزاع الجابري
في بلاد ترفع شعار الحرية وتفاخر بالديمقراطية ، تتساقط اليوم ظلال الشك والانقسام على أروقة الحكم فأمريكا التي اعتدنا أن نراها صامدة اصبحت اليوم تعكس مرآة مشوهة لصراع داخلي يلتهم جسدها بهدوء مقلق ، فبين البيت الأبيض والكونغرس تتشابك الأهواء مع الحسابات وتتصارع الكبرياء مع الضمير ، لتظهر السياسة وكأنها رقصة على حافة الهاوية ، حيث كل خطوة خاطئة قد تقود الأمة إلى المجهول ، وفي قلب هذا الصراع تلوح جزيرة " غرينلاند " كرمز لصراع أكبر ، صراع ليس على الأرض وحدها بل على معنى القوة والقرار والسيادة
فليست أمريكا اليوم كما كانت بالأمس ، فما يجري في عروقها السياسية ليس مجرد اختلاف في الرأي بل انقسام يشبه شرخا في صخر عتيق ، يتسع بصمت ويهدد بانهيار ما فوقه ، حيث لم يعد هذا الانقسام حادثة عابرة تركن على هامش الطريق بل صار طريقا بذاته ، تسير عليه الدولة مثقلة بالقلق والارتباك ،
ومن بين ضباب هذا المشهد المتكاثف ، تطل " غرينلاند " كجزيرة باردة في بحر مشتعل ، وتتحول فجأة إلى رمز لصراع أكبر من جغرافيتها ، فقد ارتفعت هناك نبرة التوتر بين دونالد ترامب والدنمارك ، ليس حول أرض من جليد بل حول معنى السلطة وحدود الرغبة ، غرور سياسي أراد أن يمد يده إلى ما لا يملك فوجد في المقابل جدارا من الرفض وصدى يتردد في أروقة الكونغرس ذاته
حتى تحرك أعضاء الكونغرس نحو الدنمارك ، لا كوفد دبلوماسي فحسب بل كضمير قلق يسعى إلى كبح اندفاع رئيس بدا وكأنه يسابق ظله ، أو يقف على حافة هاوية يحدق في عمقها دون أن يرمش ، كان المشهد أشبه بمحاولة إنزال رجل من أعلى سلم الحكم خطوة بخطوة ، قبل أن ينكسر السلم بمن عليه
فترامب الذي لا يخشى شيئا صار الخشية ذاتها ، رئيس تتسع ظلاله حتى باتت البلاد تخاف من امتدادها ، وقرارات تخرج من البيت الأبيض فتوقظ عواصم العالم على توتر جديد ، وتزرع الشك في صدور الحلفاء قبل الخصوم ، لقد أدخلت سياساته الولايات المتحدة في دوامات صراع ، وخلخل توازن الهرم السياسي حتى بدا وكأن القاعدة تهتز من ثقل القمة
وفي هذا الصمت المتوتر تتقابل الطاولات " طاولة الكونغرس حيث الحساب والعقل ، وطاولة البيت الأبيض حيث النزق والاندفاع " ، وبين الطاولتين تقف أمريكا حائرة تتساءل إلى أين تمضي ! ومن يمسك بدفة السفينة في هذا البحر الهائج ؟ ، فإن السماح لهذا المسار بأن يستمر لم يعد خيارا يمكن التغاضي عنه ، فالصمت لم يعد حكمة بل صار تواطؤا مع الفوضى ، والتجاهل لم يعد حيادا بل انزلاقا بطيئا نحو المجهول ، وربما ليس ببعيد بل في القريب العاجل سنشهد صداما لا تطلق فيه الرصاصات بل تتكسر فيه الكلمات ، وتتصادم الإرادات في معركة عنوانها : من يحكم أمريكا ؟ ومن ينقذها من نفسها؟ .