سارة.. والقلب الذي يصارع "سيستم" الأزمات في العراق
سيروان سعد
يقولون إن القلب هو المحرك الذي لا يتوقف، لكن حين يولد طفل بقلب "متعب" في بلادٍ تئن مؤسساتها الصحية تحت وطأة الإهمال والفساد، تصبح كل نبضة لهذا الصغير بمثابة معركة حياة أو موت تخوضها العائلة قبل المريض. إن الحديث عن المؤسسات الصحية في العراق اليوم ليس مجرد نقدٍ للأبنية المتهالكة أو نقص الكوادر، بل هو حديث عن "نظام" يبدو أحياناً وكأنه صُمم ليزيد من عذابات الفقراء والمكروبين.
في بلدٍ يمتلك ثروات هائلة، يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ مستشفيات حكومية تعاني من نقصٍ حاد في الأجهزة المتطورة الخاصة بجراحات القلب المعقدة، ومراكز تخصصية تفتقر لكثيرمن المستلزمات المنقذة للحياة، فضلاً عن قوائم انتظار تمتد لشهورٍ وسنوات، وكأن المرض ينتظر رحمة البيروقراطية. المؤسسة الصحية العراقية اليوم تمر بمرحلة "التيه"، حيث تتقاذفها الصراعات السياسية والميزانيات المفقودة، بينما تظل العمليات الكبرى والحرجة حلماً بعيد المنال داخل الحدود
وفي قلب هذا الركام، تبرز قصة ابنتي "سارة". ولدت سارة بمرض قلبي ولادي نادر، ومنذ تلك اللحظة، تحولت حياتنا إلى رحلةٍ لا تنتهي في أروقة المستشفيات. سارة ليست مجرد حالة طبية، بل هي قطعة من الروح تصارع من أجل حقها الطبيعي في التنفس والنمو.
لقد خضنا مع سارة جولات مضنية في الداخل؛ من طبيب إلى آخر، ومن مستشفى إلى مركز، وكان الجواب دائماً يتلخص في عبارة واحدة تقتل الأمل: "الحالة معقدة"، وتحتاج إلى تداخل جراحي لا يتوفر إلا خارج العراق. هذه الكلمات كانت بداية لرحلةٍ أخرى أكثر مرارة، رحلة البحث عن "فرصة علاجية" في الخارج.
لم نترك باباً إلا وطرقناه بقلبٍ منكسر وأملٍ لا ينطفئ. توجهنا إلى منظمات المجتمع المدني، ناشدنا المؤسسات الدينية التي يُفترض بها أن تكون ملاذ المنكوبين، وراجعنا الجهات الرسمية المسؤولة عن ملف الإخلاء الطبي. في كل مرة، كنا نواجه بالوعود التي تتبخر مع أول وهلة، أو بالتعقيدات الإدارية التي لا تنتهي، أو بانتظار "استثناء" قد يأتي وقد لا يأتي
لقد حاولنا مراراً وتكراراً تسفير سارة إلى الخارج؛ فالمسألة ليست سياحة أو ترفاً، بل هي ضرورة لإنقاذ حياة طفلة تذبل أمام أعيننا. إن أصعب شعور يمكن أن يمر به أب أو أم، هو أن يرى فلذة كبده تتألم، وهو يقف مكتوف الأيدي لا يملك إلا الدعاء وانتظار معجزة، في ظل واقع صحي يفرق بين من يملك المال والواسطة ومن يملك فقط إيمانه بالله.
حتى هذه اللحظة، ما زلنا ننتظر. ما زالت سارة تقاوم بقلبها الصغير، وما زلنا نحن نبحث عن تلك "النافذة" التي تطل منها شمس الشفاء. إن معاناتنا ليست استثناءً، بل هي صورة مصغرة لواقع آلاف الأطفال العراقيين الذين يحتاجون إلى عمليات قلب معقدة لا تتوفر داخل البلاد.
إننا نناشد الضمير الإنساني والوطني، لا نطلب منّة من أحد، بل نطلب حقاً مكفولاً في كل دساتير الأرض: الحق في الحياة. إن سارة وأمثالها هم الاختبار الحقيقي لأي منظومة تدعي خدمة الإنسان. فما قيمة كل الإنجازات إذا كانت هذه العيون الصغيرة تنطفئ لأننا عجزنا عن توفير سرير أو غرفة عمليات تليق بإنسان؟
سيبقى الأمل يحدونا، وسنظل نطرق الأبواب، لعل ضميراً يستيقظ، أو يداً تمتد لتمسح وجع سارة وتمنح قلبها فرصة جديدة ليدق بسلام.