العراق بين "التعايش القسري" وأحلام اليوم التالي
سيروان سعد
لا يبحث المواطن العراقي اليوم عن معادلات اقتصادية معقدة في كتب النظريات، بل يمارس نوعاً من "التعايش القسري" مع واقع لا يشبهه ولا يتمناه . منذ سنوات ونحن نعيش على وقع أزمة ليست وليدة الساعة، بل هي تراكم اكثر من عقدين من الرهان الخاسر على برميل النفط، وترك التخطيط لمصير الدولة في مهب الريح. نحن لا نتحدث عن أرقام صماء في ميزانية سنوية، ولا عن تذبذب سعر الصرف، بل عن تفاصيل يومية مؤلمة: قلق رب الأسرة في السوق، وحيرة الخريج الذي يرى أن الوظيفة الحكومية، رغم ترهلها، هي الحصن الأخير المتبقي في وجه ضياع المستقبل.
المشكلة الحقيقية في العراق ليست في ندرة الموارد، فنحن نطفو على بحر من الثروات، لكننا غرقنا في "فنون الإدارة السيئة". لا يزال اقتصادنا رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية، نرتجف إذا انخفضت، ولا نكاد نشعر بأثر حقيقي للتنمية إذا ارتفعت. في ظل هذا "الريع"
بات القطاع الخاص مجرد فكرة غائبة، مكبلة بقوانين بيروقراطية كأنها صُممت لتطرد المستثمر لا لتجذبه. وحتى المواطن البسيط، الذي لا يعرف شيئاً عن أدوات السياسة النقدية، بات يراقب شاشات الصرافين بقلق، مدركاً أن التخطيط للمستقبل في هذا البلد بات "ترفاً" لا يملكه الجميع.
لماذا يبدو الإصلاح وكأنه حلم بعيد؟ لأننا نصطدم دائماً بحائط مسدود من المصالح السياسية التي تعتبر الاقتصاد مجرد "غنائم" لا مجالات تنمية. إن الفساد هنا ليس مجرد تجاوزات إدارية، بل هو "نزيف" يومي يمتص دم الدولة، والأسوأ من ذلك هو اتساع الفجوة بين الشارع وصناع القرار. فالمواطن لم يعد يصدق وعود الإصلاح بل بات يرى فيها طقوساً تكرس معاناته.
ومع ذلك، ألا يزال هناك أمل في "اليوم التالي"؟ بالتأكيد. لكنه لا يأتي بالتمني او بعصا سحرية، بل بقرار شجاع. نحن بحاجة إلى تحويل شعارات "تنويع الاقتصاد" إلى ثورة زراعية وصناعية تحمي المنتج الوطني بدلاً من حماية الاستيراد. نحن نحتاج إلى "رقمنة" كل مفاصل الدولة - في الجمارك والضرائب والمصارف..ألخ. لأن التكنولوجيا وحدها هي القادرة على كبح الوحش البيروقراطي. والاهم من هذا كله، هو أن نستثمر في الإنسان نفسه، في عقول شبابنا، بدلاً من تكديسهم في مكاتب الدولة.
إن الاقتصاد العراقي اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من التقارير، بل إلى إرادة سياسية تدرك حقيقة واحدة: أن كلفة "الإصلاح المؤلم" اليوم، مهما بلغت، تظل أرخص بكثير من دفع ثمن الانهيار الذي قد لا يبقي ولا يذر غداً.