إزالة "التجاوزات" في بغداد: دماء على حطام البيوت وغياب الحلول الجذرية
صادق الازرقي
وقعت في بغداد مؤخرا حادثة راح فيها ضحايا من منتسبي القوى الأمنية بعد أن حدثت مشادات بين القوة التي أمرت بإزالة بيوت في أراض في منطقة الدورة وبين إحدى العائلات.
لقد تباينت الاخبار فيما إذا كانت تلك الأرض هي تجاوز "ما يسمى بالحواسم" فقط، أم أنها طابو زراعي "سند 25" ام غير ذلك، وفي الحقيقة فإنه طوال أكثر من عشرين سنة جرت عمليات بيع أراض زراعية قسمت كمساحات سكنية وقد بنى فيها الناس منازلا، وكثير منهم من محدودي الدخل بسبب أزمة السكن؛ وفي كل مرة كان يجري تجاوز اصل المشكلة الناجمة عن تقسيم وبيع الأراضي الزراعية، اذ يسمح للناس بالبناء فيها وأصبحت كثير من المناطق الآن واقع حال وتشمل ألوف البيوت بملايين الناس وبعضها مدت إليها خدمات المياه والمجاري والكهرباء سواء بجهد الدولة الخدمي ام باشتراك سكانها بجمع مبالغ الخدمات والتبليط، وقد كانت الجهات المعنية لا تتدخل في عرقلة عمليات البناء الا نادرا وبعضها كان يساوم أصحاب البناء لقاء مبالغ معينة وتلك قضية معروفة، اما إزالتها فغدت مستحيلة. أما التجاوز "الحواسم" فلا علاقة له بالطابو الزراعي.. يحدث ذلك في وقت تتحدث الدولة عن تحويل قسم من الاراضي الزراعية التي جرى السكن فيها إلى الطابو السكني.
ان تلك المفارقة المأساوية التي شهدتها منطقة الدورة تعكس بوضوح حجم التشوه المزمن في ملف السكن والعقارات في العراق، اذ تتقاطع الحلول الترقيعية مع غياب التخطيط الحضري المسبق.
أسباب المفارقات القائمة بين الإزالة وتقنين الأوضاع هي ازدواجية الموقف الحكومي، اذ تتراوح السياسات بين التغاضي الطويل وتوفير الخدمات، أو غض الطرف عنها لتشغيل شبكات المتاجرة والمساومات وبين قرارات الإزالة المفاجئة بدعوى تطبيق القانون وحماية أملاك الدولة أو أراضي الإصلاح الزراعي.
ان الفوضى الحاصلة تتركز بين أراضي التجاوز الصريح (مثل ما يعرف بالحواسم) وتلك التي تقع ضمن صنف "الطابو الزراعي" وبخاصة السند 25 أو حق التصرف وبعض القرارات الاخرى منها سند وعقد 117 للأراضي الزراعية في العراق وهو عقد إيجار صادر من الدولة لمدة 25 سنة، ولا يحق للمستأجر فيه تمليك أو تقسيم الأرض بشكل قانوني دائم إلا ضمن شروط وإجراءات محددة، وبعض الاجهزة الامنية تعامل الأراضي جميعها أحيانا بالتعسف ذاته برغم اختلاف تكييفها القانوني والتاريخي، ولقد أدى العجز الحكومي المستمر عن توفير مجمعات سكنية مدعومة لذوي الدخل المحدود إلى دفع ملايين السكان نحو خيار "واقع الحال" كبديل قسري لا مفر منه.
ان التعامل الأمني المحض مع أزمات التخطيط الحضري، بدلا من المعالجة الإدارية والقانونية الشاملة التي تدمج هذه المناطق في النسيج البلدي، تسبب في انبثاق المشكلات والتوتر.
ان المطلوب لمعالجة الأزمة وتجنب التوترات يتمثل في الاعتراف الواقعي بالكتل السكنية القائمة بالتراجع عن خيار الإزالة القسرية عن المناطق المأهولة التي تحولت إلى أحياء كاملة يقطنها مئات ألوف بل ملايين السكان، والتركيز بدلا من ذلك على تنظيمها وتوفير البنى التحتية لها.
ويتوجب تطبيق وعود الحكومة بإنجاز معاملات تحويل الأراضي الزراعية المأهولة إلى "الطابو السكني" وفق آليات مرنة ورسوم رمزية تراعي الوضع المعيشي لشاغليها محدودي الدخل، وتوجيه الجهد الرقابي والامني نحو محاسبة شبكات تجار الأراضي والموظفين المتواطئين الذين سمحوا بعمليات التقسيم والبيع العشوائي منذ البداية، بدلا من إلقاء فاتورة الحساب كاملة على المواطن البسيط.
ومن الضروري النأي بالقوات الأمنية عن الدخول في مواجهات مباشرة مع العائلات في قضايا إدارية وبنى تحتية، وحصر فض النزاعات بإجراءات قانونية وقضائية واضحة تمنع الاحتكاك وازهاق أرواح الأبرياء، وقد رأينا في شريط حادثة الدورة المصور مطالبة صاحب الأرض من القوى الأمنية بإبراز الامر القضائي بالإزالة غير انها لم تلتفت لطلبه، كما قامت بالتهديم في اثناء تواجد العائلة في المنزل، وهذا خطأ فادح.
ويتوجب على منظمات المجتمع المدني والنخب الفكرية الضغط الإعلامي والشعبي لتسريع تشريعات تحويل الأراضي الزراعية المستحقة إلى ملك صرف من دون إلحاق غرامات مجحفة بالساكنين، اذ ان تسليط الضوء على هذه الجوانب يضع النقاط على الحروف، فالتكامل بين الضغط الإعلامي والمجتمعي من جهة، والحلول الجذرية المتمثلة بمنع التجاوز من مصادره وتوفير البدائل السكنية الحقيقية من جهة أخرى، هو السبيل الوحيد لكسر هذه الدائرة المفرغة وتجنيب البلاد مزيد من التوترات والمآسي.
أما بخصوص مشروع المليون قطعة أرض سكنية الذي أعلن عنه رئيس مجلس الوزراء الذي يفترض التقديم له ابتداء من الأول من أيلول 2026، فإن نجاحه واختبار جديته سيظلان مرهونين بمدى شفافية إجراءاته، وتوفير البنى التحتية مسبقا قبل توزيعها على المستحقين، لئلا تتحول تلك القطع الجديدة إلى "حواسم" اخرى أو صحارى قاحلة عاجزة عن استيعاب العائلات، فضلا عن أهمية ضمان وصولها حصرا لذوي الدخل المحدود بعيدا عن بيروقراطية المعاملات وشبهات المحاباة.
فهل أن الآليات المعلنة للتقديم على هذا المشروع تختلف جوهريا عن المبادرات الفاشلة السابقة، من حيث الشفافية وسرعة الإنجاز؟ ان الميدان هو المحك الحقيقي الذي سيثبت جدية هذه الوعود أو يكشف عن تكرارها للصيغ البيروقراطية السابقة ذاتها، ويبقى رصد التطبيق العملي للتقديم في الأول من أيلول وما يتبعه من إجراءات كفيلا ببيان مدى الفرق الفعلي على الأرض.