"الطرف الثالث" والمقرات الوهمية: عقدان من الفوضى الأمنية تقف على محك امتحان 30 أيلول

"الطرف الثالث" والمقرات الوهمية: عقدان من الفوضى الأمنية تقف على محك امتحان 30 أيلول

صادق الازرقي

2026-08-14T08:34:00+00:00

جاء إعلان الأجهزة الأمنية العراقية عن إغلاق 71 مقرا وهميا تدعي انتماءها للحشد الشعبي، ليفتح الباب واسعا أمام تساؤلات عميقة بشأن آليات الإدارة الأمنية، وفوضى السلاح المنفلت، والتقاطعات المعقدة بين شرعية الدولة وعمل الشبكات غير الرسمية في العراق طوال السنوات الماضية.

وعلى الفور تبرز التساؤلات: كيف كانت تلك المقار غائبة عن الجهات المعنية طيلة سنوات؟ وكيف غابت هذه المقار عن رصد أو ملاحقة الجهات الرسمية طوال اكثر من عقدين؟

 كانت هذه المقار تتخذ من عناوين "المقاومة" أو الرمزية المرتبطة بالحشد الشعبي واجهة لها، مما كان يمنحها "هيبة" ردع مجتمعي ومحلي تجعل الأجهزة الأمنية المحلية أو العناصر التنفيذية تتردد في الاقتراب منها أو التفتيش الدقيق فيها تفاديا لأي احتكاك سياسي أو مسلح.

ولم تك تلك المقار تظهر دائما على شكل ثكنات عسكرية واضحة، بل كان كثير منها يتخفى خلف واجهات وهمية مثل شركات أمنية، ومنظمات مجتمع مدني، ومكاتب اقتصادية، أو مقرات لحركات وجهات سياسية وعقائدية، تتوزع في الأحياء السكنية بعيدا عن التمركز العسكري المباشر.

وأسهمت طبيعة التوافقات السياسية المتعاقبة في غض الطرف عن الكثير من الأنشطة غير المرخصة، اذ كانت شبكات النفوذ تؤمن غطاء يحصن هذه المقار من التفتيش أو المساءلة الإدارية؛ ولم تبدأ عملية كشفها إلا مع تبلور إرادة حكومية حقيقية ضمن خطط "حصر السلاح بيد الدولة" وتفعيل اللجان التنفيذية المشتركة، والتهديدات الأميركية المرتبطة بذلك واستنزاف الارتباطات الاقليمية لتلك الجهات.

تشير التقارير الأمنية والعملياتية المتعلقة بمثل هذه المقار إلى أن الأسلحة المتواجدة فيها عادة ما تتنوع بين، أسلحة خفيفة ومتوسطة من قبيل البنادق الهجومية مثل الكلاشينكوف ورشاشات البي كي سي، وقاذفات (آر بي جي)، كما تتواجد معدات لوجستية وتكتيكية مثل أجهزة اتصال لاسلكية مؤمنة، وكاميرات مراقبة، وأحيانا طائرات مسيرة تجارية أو عملياتية تستعمل لأغراض الاستطلاع أو المراقبة الميدانية من دون موافقات رسمية.

 كما ان لديها كميات من الذخائر والمقذوفات التي يجري تأمينها بطرق غير مشروعة بعيدا عن الجرد الرسمي لمخازن المؤسسات الأمنية الحكومية. اما مسألة التمويل والرواتب لهذه المقار الوهمية أو غير الرسمية فتتوزع غالبا بين مصادر غير خاضعة للشفافية المالية الحكومية من ذلك الشبكات الاقتصادية، اذ تعتمد هذه المقار والجهات التي تقف خلفها على شبكات تمويل ذاتي تشمل فرض إتاوات، والسيطرة على مقاولات فرعية، وعمليات تهريب، والتحكم ببعض المنافذ الاقتصادية أو التجارية غير الرسمية.

وبعض المنتسبين في هذه المقار قد يكونون مسجلين فعليا على ملاكات مؤسسات رسمية كموظفين أو منتسبي فصائل يتقاضون رواتب دولة، لكنهم يفرزون لخدمة هذه المقار الوهمية أو الواجهات الجانبية، فيما تستقطع نسب من رواتبهم أو تستغل أسماؤهم لأغراض التضخم الوظيفي وتمويل الأنشطة الخاصة. وتتغذى بعض الكيانات المرتبطة بفصائل خارجة عن إطار السيطرة الرسمية على دعم لوجستي ومالي عابر للحدود، يدار عبر قنوات بعيدة عن رقابة البنك المركزي العراقي وزارة المالية.

يثير توقيت الكشف عن هذه المقار وإغلاقها تساؤلات مشروعة بشأن الأحداث الدموية التي شهدها العراق في احتجاجات تشرين الأول 2019، وحينها كثر الحديث رسميا وشعبيا عن مفهوم "الطرف الثالث" الذي كان يستهدف المتظاهرين والقوات الأمنية على حد سواء بالرصاص الحي وقناصات الموت والعبوات الصوتية بغرض تأجيج الفوضى ومواجهة الاحتجاجات، والاخفاق حتى الآن في كشف الجناة الذين استهدفوا المتظاهرين وتسببوا في استشهاد مئات وجرح آلاف.

 إن تواجد عشرات المقار الوهمية وغير المرخصة التي تعمل بمعزل عن سيطرة الدولة وعن حتى الضوابط المركزية الرسمية لهيئة الحشد الشعبي، يفسر جزئيا البيئة التي خرجت منها تلك الأفعال؛ فهذه المقار تشكل خلايا معزولة تمتلك السلاح، والقدرة على الحركة، وغياب المساءلة. وطوال سنوات، مثلت هذه المقار الظاهرية، المناطق الرمادية التي تتحرك فيها عناصر مسلحة مجهولة الهوية أو منتحلة للصفات الرسمية، تنفذ أجندات بعيدة عن قرار الدولة وسلطتها، وبالنتيجة فإن بقاء ملف "الطرف الثالث" اذ جاز القول، طويلا بلا كشف حاسم لجميع تفاصيله يعود جزئيا إلى تواجد شبكات من هذا النمط تعمل في الخفاء، وتستغل غياب سلطة القانون وضعف القبضة الرقابية لفرض واقع بقوة السلاح خارج مؤسسات الدولة الدستورية.

إن قدرة الحكومة العراقية على الالتزام بالموعد المحدد في 30 أيلول 2026 لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة تواجه اختبارا معقدا للغاية؛ ففيما تُظهر الإرادة الحكومية والغطاء السياسي الجامع وعلى غير العادة، عبر ائتلاف إدارة الدولة والتوافق "الشيعي السني الكوردي" وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي لإعداد مشروع قانون خاص، جدية غير مسبوقة، إلا أن الفوضى الأمنية وتداخل النفوذ يجعل التنفيذ الكامل في الموعد المحدد أمرا بالغ الصعوبة ويصطدم بعقبات جوهرية.

يحظى قرار المهلة بدعم سياسي واسع من "ائتلاف إدارة الدولة"، مع تلويح بإنزال القوانين النافذة وقانون مكافحة الإرهاب بحق أي نشاط مسلح بعد 30 أيلول.  وأقدمت بعض الفصائل الكبرى والتشكيلات مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا السلام على خطوات فعلية تمثلت بتسليم أجزاء من إدارات ألويتها ومقراتها لتكون تحت المظلة الرسمية للدولة. وتربط الحكومة هذا الموعد رسميا بانتهاء مهام التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، لسحب الذريعة الأبرز التي كانت تستغلها الفصائل لتسويغ الاحتفاظ بترسانتها العسكرية خارج المؤسسة العسكرية الرسمية.

اما التحديات والعقبات التي تهدد التنفيذ الكامل فتشمل ما يسمى "الرفض العقائدي" اذ تقف فصائل مسلحة نافذة مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء وأصحاب الكهف موقفا متصلبا رافضا لتسليم سلاحها، عادة إياه "سلاح مقاوما" لا ينبغي تسليمه. هذا الانقسام الحاد يجعل أي محاولة لفرض السلاح بالقوة العسكرية ينذر بصدام داخلي واسع.

ان تواجد عشرات المقار الوهمية والواجهات الاقتصادية والأمنية، يعكس عمق التغلغل الاقتصادي والشبكي لهذه الكيانات، التي قد تلجأ إلى التخفي العميق أو تغيير واجهاتها بدلا من التسليم الفعلي. ويبقى الملف محكوما بمدى استقرار المنطقة والتوترات المستمرة، اذ ترى بعض الأطراف أن السلاح هو أداة ردع استراتيجية مرتبطة بصراعات المنطقة، مما يجعل الارتباط العضوي لبعض الفصائل بقرار خارج الحدود عائقا أمام سيادة قرار بغداد المنفرد.

الخلاصة التي يلفت اليها التحليل السياسي، انه من المستبعد عمليا تفكيك ترسانة جميع الفصائل المسلحة بالكامل وإنهاء السلاح المنفلت بشكل مطلق بحلول 30 أيلول 2026، نظرا لتعقيد شبكات المصالح والسلاح، ولكن الأرجح أن تفضي هذه المهلة إلى نجاح نسبي مرحلي يتمثل في غطاء قانوني ومؤسساتي قوي، وإلزام الفصائل المنضوية أساسا في داخل الحشد الشعبي بالاندماج والانضباط العسكري الكامل تحت قيادة عسكرية مهنية، مقابل الدخول في مسارات احتواء طويلة الأجل أو معالجات أمنية وسياسية تدريجية مع الفصائل الرافضة، لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مسلحة شاملة تهز الاستقرار الداخلي الهش، ويبقى الموقف الأميركي والتوترات بين الولايات المتحدة وايران عاملا حاسما في طبيعة حصر السلاح ومديات ذلك.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon