أرض الممالك المنسية.. فقراء ينقبون ومافيات تقبض الثمن

أرض الممالك المنسية.. فقراء ينقبون ومافيات تقبض الثمن

صادق الازرقي

2026-02-03T16:36:24+00:00

تحت طبقات الغبار في محافظة ميسان، حيث كانت الحضارات تبني مجدها، عاد بريق "الذهب العباسي" ليلمع مجددا، ولكن ليس في متاحف الدولة، بل في أياد خشنة أنهكها الفقر.

 عملية أمنية أخيرة أماطت اللثام عن مجموعة من المنقبين غير القانونيين وبحوزتهم "دنانير" ذهبية نادرة، لتعيد إلى الواجهة ملفا شائكا تنزف بسببه ذاكرة العراق يوميا؛ ففي حين تحاول الحكومة سد ثغرات التهريب، تتسع رقعة 'السوق السوداء' شرقي محافظة ميسان، حيث تحولت التلال الأثرية إلى ملاذ لشبان عاطلين عن العمل، وجدوا في نبش قبور الأجداد وسيلة وحيدة لتأمين حياة الأحفاد، وسط سطوة مافيات منظمة تقتات على التاريخ والفساد معا.

فقد كشفت الشرطة في محافظة ميسان عن ان مفارز قسم حماية الآثار والتراث في قيادة شرطة محافظة ميسان أحبطت محاولة تنقيب غير مشروعة عن الآثار في أحد المواقع الأثرية، اذ ضبطت عملات ذهبية أثرية من (الدينار العباسي) وأدوات تنقيب حديثة وجهاز سونار كاشف للمعادن، مع فرار المشتبه بهم، بحسب الشرطة.

والعراق، الذي يعد "متحفا مفتوحا"، بحسب المؤرخين، يواجه تحديات معقدة تجعل من ملف الآثار معركة مستمرة بين الحفاظ والضياع.

فلماذا يستمر التنقيب غير القانوني (النبش العشوائي)؟

 يمتلك العراق أكثر من 12,000 موقع أثري مسجل، والوف المواقع غير المكتشفة بعد، كثير منها يقع في مناطق صحراوية أو نائية تصعب حمايتها على مدار الساعة.

ويدفع الفقر والبحث عن الثراء السريع، والظروف الاقتصادية الصعبة ببعض السكان المحليين في المناطق القريبة من التلال الأثرية إلى العمل كـمنقبين غير شرعيين لصالح شبكات تهريب دولية منظمة؛ وبرغم تواجد قوانين صارمة، إلا أن الفساد أو ضعف السيطرة في بعض المناطق الحدودية يغيّب الرادع ويسهل عملية خروج القطع الأثرية من البلاد.

ان تواجد سوق سوداء دولية نشطة في أوروبا ودول الخليج وأمريكا تطلب "آثار بلاد الرافدين" يغذي هذه التجارة بشكل دائم.

لا يمكن القول إن مساعي السلطات لمطاردة شبكات التنقيب والتهريب، والتوصل الى عملية تنقيب قانونية فاعلة  تخفق تماما، بل هي تواجه معوقات هيكلية، فالتنقيب العلمي عملية مكلفة جدا تتطلب أجهزة استشعار، مختبرات متنقلة، وتكاليف لوجستية عالية، وان الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة والآثار غالبا ما تكون غير كافية لتغطية مساحة العراق الأثرية.

كما يعاني البلد من نقص الطواقم المتخصصة، فبرغم تواجد كفاءات عراقية، إلا أن عدد البعثات الوطنية لا يتناسب مع حجم المواقع، وان الاعتماد الكبير يكون على البعثات الأجنبية المشتركة، التي ترتبط بظروف الاستقرار الأمني والسياسي.

وكذلك فان التغير المناخي والزحف العمراني يسبقان أحيانا عمليات التنقيب، التوسع السكاني في المحافظات يضغط على المواقع الأثرية، مما يضطر السلطات أحيانا لعمليات تنقيب إسعافي سريع وغير متكامل.

ان التنقيب ليس مجرد استخراج ذهب أو فخار، بل هو تواصل مع التاريخ؛ فعندما يسرق المنقب غير القانوني عملة ذهبية، هو يغيب المعلومة، فالتنقيب العلمي يسجل عمق القطعة، ومكانها، والطبقة الجيولوجية، مما يساعد في تحديد الحقبة التاريخية والاقتصادية بدقة.

والمنقب غير القانوني يدمر الطبقات الأثرية والألواح الطينية بحثا عن المعادن، فيما يحافظ التنقيب السليم على الرقم الطينية التي تمثل توثيقا للحضارة.

ان كل موقع يكتشف بشكل علمي يضيف فصلا جديدا لتاريخ البلد المتنوع (سومر، أكد، بابل، آشور، والحضارة الإسلامية،..الخ)، مما يعزز السياحة الثقافية كمورد اقتصادي مستدام بديل للنفط، وان  ضياع أثر واحد يعني ضياع حلقة من سلسلة التطور البشري لا يمكن تعويضها أبدا.

وتحتوي محافظة ميسان وعموم جنوب العراق على كنوز أثرية هائلة، بعضها معروف عالميا والبعض الآخر لا زال مدفونا تحت "التلال الأثرية" المعروفة بـ "اليشن" التي لم تصلها معاول التنقيب الرسمي بعد.

 تبرز قائمة المواقع الاثرية في عموم محافظة ميسان أهمية هذه المناطق في توثيق الحقب السومرية والأكدية وصولا إلى العصور الإسلامية، وتؤكد على ضرورة حمايتها من التنقيب غير القانوني نظرا لما تحتويه من إرث تاريخي لا يقدر بثمن.

وتزخر أهوار محافظة ميسان والحدود الشرقية للعراق بآلاف المواقع الأثرية السومرية والإسلامية غير المكتشفة، وتعد مناطق هور أم النعاج (قضاء الكحلاء)، إيشان أبو الذهب (الميمونة)، تل الكبان (البتيرة)، وتلال كنوز "حفيظ" من أبرز المناطق الواعدة. هذه المواقع تحتوي شواخص حضارية من عصور الوركاء والإسلامية لم تنقب علميا بعد. 

ويمكن ادراج أبرز المناطق الأثرية الواعدة في ميسان، بالمناطق الآتية، ففي اهوار الكحلاء وناحية بني هاشم، يعد هور أم النعاج، من أهم الأهوار ويضم تلالا أثرية لم تستكشف بعمق، ويمتد نحو الحدود الإيرانية، وهناك إيشان أم الهند على بعد نحو 35 كلم جنوب غرب مدينة العمارة في الكحلاء، وتعد من التلال ذات الكثافة الأثرية.

في مناطق البتيرة والمجر الكبير، يتواجد تل الكبان، وهو موقع أثري مهم يقع قرب ناحية البتيرة (15 كم شمالي مدينة العمارة)، وأظهرت التنقيبات الأولية أسس جدران لوحدات سكنية من العصور الإسلامية، وتل العكَر، يقع في هور الصحين بقضاء المجر الكبير.

اما المناطق الحدودية الشرقية، فمنطقة الطيب تشمل تل أبو شيجة ، وهي مناطق شاسعة غير منكشفة بالكامل؛ ومنطقة إيشان أبو الذهب في الميمونة تضم لقى أثرية تعود لعصور قديمة، و تلال كنوز "حفيظ" تحيط بها أساطير وتاريخ غني في قلب الأهوار. 

وفي العموم تزخر ميسان بنحو 325 موقعا أثريا، جرى تنقيب أجزاء يسيرة منها فقط، وتعرضت عديد المناطق غير المنقبة لعمليات حفر عشوائي، مما يشير إلى أهمية التنقيب العلمي السريع في مواقع مثل اليشن.

وتعد هذه المناطق جزءا من التراث العالمي للأهوار، مما يزيد من احتمالية اكتشاف مستوطنات سومرية وبابلية وإسلامية مغمورة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon