حين تتبدّل البوصلة.. هل يصبح الخطأ فضيلة؟
فرست عبدالرحمن مصطفى
هناك مثل عالمي يقول "إذا تعلمت الدين من الثعلب، فستعتقد تدريجيا أن سرقة الدجاجة فضيلة".
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد حكمة ساخرة لكنها تختصر جانبا عميقا من طبيعة الإنسان وتأثره بمن يتعلم منهم، وبالبيئة التي ينشأ فيها وبالمعايير التي تقدم له على أنها حقائق لا تقبل النقاش.
فحين نتلقى قيمنا من أصحاب المصالح قد نفقد تدريجيا القدرة على التمييز بين الحق والباطل، لا لأن الحقيقة غامضة بالضرورة بل لأن بعضهم يمتلك مهارة استثنائية في إعادة صياغة الواقع بما يتناسب مع مصالحه. وهكذا قد يتحول الخطأ بالتكرار والتبرير إلى أمر مألوف، ثم إلى سلوك مقبول وربما إلى فضيلة يُدافع عنها أصحابها بكل ثقة!
في السياسة تتجلى هذه المفارقة بوضوح حين تتغير المعايير بتغير المواقع والمصالح. فما يعد حكمة عندما يصدر عن الحليف قد يصبح تنازلًا عندما يصدر عن الخصم، وما يسمى مرونة في موقف قد يوصف بأنه تخل عن المبادئ في موقف آخر. وكأن الحقيقة لا تملك ميزانا ثابتا بل تنتظر معرفة الجهة التي تقف على كفته!
أما في الحياة الاجتماعية فقد نتعلّم احيانا أن التملّق ذكاء وأن الصمت عن الخطأ حكمة وأن الدفاع عن المخطئ وفاء وأن الاعتراف بالحقيقة ضعف. ومع مرور الزمن قد يصبح الإنسان أسيراً لمعايير بيئته، حتى يدافع عن سلوك كان سيرفضه بشدة لو صدر عن شخص آخر.
والأكثر سخرية أن بعض الناس لا يكتفون بتبرير أخطائهم بل يسعون إلى إقناع الآخرين بأنهم يفعلون الصواب. وهنا تتحول البراعة في الكلام إلى وسيلة لتجميل المواقف، ويصبح إتقان التبرير أهم من تصحيح الخطأ، وكأن المشكلة ليست في سرقة الدجاجة بل في عدم امتلاك السارق خطابا إعلاميا مقنعا!
لكن المسؤولية لا تقع على من يوجه الآخرين وحده بل تقع ايضا على من يتخلى عن حقه في التفكير والنقد. فليس كل ما نتعلمه صحيحا وليس كل من نثق به جديرا بأن يكون قدوة، وليس كل ما اعتدنا عليه يستحق أن يستمر. فالوعي الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لمراجعة أفكارنا ومساءلة من يؤثرون فينا، والتمييز بين المبادئ التي نؤمن بها والمصالح التي يُراد لنا أن نخدمها.
إن أخطر ما قد يصيب مجتمعا ليس انتشار الخطأ وحده بل اعتياده عليه، ثم إيجاد المبررات له حتى يصبح الاعتراض على الخطأ هو السلوك الغريب ويصبح التمسك بالمبدأ أمرا يحتاج إلى تفسير!
لذلك نحن بحاجة إلى أن نختار معلمينا وقدواتنا بعناية، وأن نزن الأفكار بأفعال أصحابها لا ببلاغة كلماتهم، وأن نمنح عقولنا حق السؤال بدل أن نكتفي بترديد ما يُقال لنا.
فحين تتبدّل البوصلة، قد يظنّ الإنسان أنه يسير في الطريق الصحيح بينما هو لا يفعل سوى الابتعاد عن وجهته. والمشكلة ليست في أن نتعلّم من الآخرين بل في أن نتعلّم منهم كيف نبرّر الخطأ، ثم نسمّي ذلك حكمة!!