بين لغة الدبلوماسية ولغة النار: مَن يخشى صوت نيجيرفان بارزاني؟
ماجد سوره ميري
لم يكن الانفجار الذي طال منزل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في دهوك مجرد حادث أمني عابر يضاف إلى سجل الاضطرابات المعتادة في المنطقة، بل بدا وكأنه "رسالة مشحونة بالرمز"، صيغت بلغة النار لتصيب فكرة قبل أن تصيب مكاناً؛ في لحظة إقليمية مثقلة بالتوترات المتصاعدة، جاء هذا الاستهداف ليضع إصبعه على جوهر الصراع الراهن: صراع مرير بين منطق التهدئة ومنطق الاندفاع الأعمى نحو المجهول.
منذ اشتداد الأزمات الأخيرة في المنطقة داخليا وخارجيا، اختار بارزاني أن يسير عكس تيار التصعيد الجارف، حاملا خطابا عقلانيا يقوم على تجنيب إقليم كوردستان والعراق تبعات الصراعات المفتوحة؛ فقد أكد مرارا أن أرض كوردستان والعراق لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وبهذا النهج، حافظ على خيط دقيق من التوازن، أبقى من خلاله أبواب الحوار مفتوحة مع قوى إقليمية ودولية متباينة، في زمن تتسارع فيه القطيعة وتضيق فيه مساحات التفاهم.
إن هذا التوازن، بما ينطوي عليه من اعتدال، لا يروق لمن يقتات على الفوضى؛ فحيث تغلق أبواب الصدام، تخبو مصالح فئات معينة، وحيث تفتح نوافذ الحوار، تنكفئ مشاريع سياسية وعسكرية قائمة بالأساس على التوتر المستدام.. ومن هنا، يمكن قراءة الحادث بوصفه محاولة فجة لكسر هذا الخيط الدقيق، ودفع المشهد نحو حافة أكثر اضطرابا لا تخدم سوى دعاة التأزيم.
فحين يستهدف صوت يميل إلى التهدئة، فإن القلق لا يقتصر على الشخص المستهدف، بل يمتد إلى ما يمثله من توازن مطلوب في لحظة تاريخية حرجة.
على المستوى الداخلي، يضع هذا التطور الدولة العراقية أمام امتحان مصيري يتجاوز البعد الأمني التقليدي إلى سؤال "الهيبة" والقدرة على فرض النظام؛ إن استهداف شخصية بوزن نيجيرفان بارزاني يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود نفوذ الجماعات الخارجة عن القانون، وحول قدرة الدولة على حماية فضائها السياسي من الانزلاق إلى "منطق القوة المنفلتة" الذي يهدد الجميع دون استثناء.
إن الإجابة عن سؤال: "مَن يخشى صوت نيجيرفان بارزاني؟" تكمن في هوية المستفيدين من ديمومة الحرائق؛ يخشاه أولئك الذين يرون في استقرار العراق وكوردستان قيدا على نفوذهم، والذين يجدون في لغة العقل تهديدا لمشاريعهم القائمة على الاستقطاب.
لكن الخطورة الحقيقية اليوم لا تكمن في دوي الانفجار بحد ذاته، بل في احتمال أن يكون نذيرا لضيق مساحة المناورة الدبلوماسية أمام صخب السلاح.. إن حماية "صوت التعقّل" لم تعد ترفا سياسيا، بل هي المعركة الأخيرة للحفاظ على ما تبقى من مسارات السلام؛ فإذا صمتت الدبلوماسية تحت وطأة الترهيب، فلن يتبقى للمنطقة سوى الانزلاق نحو هاوية لا يستثني لهيبها أحدا.