بين خطأ الفرد وخطيئة التعميم: قراءة في الجدل الذي أثاره المشهد الرياضي

بين خطأ الفرد وخطيئة التعميم: قراءة في الجدل الذي أثاره المشهد الرياضي

ماجد سوره ميري

2026-05-27T18:17:32+00:00

لم تكن اللقطة التي أثارت الجدل في الحلبة الرياضية مجرد تفصيل عابر في منافسة قتالية، بل تحولت خلال ساعات إلى مادة مشحونة بالعواطف والانقسامات، بعدما ظهر لاعب عراقي كوردي وهو يخفي بكفه العلم العراقي الصغير على سرواله القصير (الشورت)، في مقابل لاعب مصري رفع العلم العراقي في لقطة أخرى عدّها كثيرون موقفا “وطنيا” أو “قوميا” داعما.

غير أن المشكلة الحقيقية لم تكن في الحركة الأولى وحدها، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل معها لاحقا؛ إذ تحولت حادثة يحتمل أن تكون فردية وغير مسؤولة إلى منصة واسعة للتخوين الجماعي، وإطلاق الأحكام القومية، وتعميم الاتهامات على مكوّن كامل من الشعب العراقي.. وهنا تحديدا يصبح النقاش أكثر تعقيدا وخطورة من مجرد اختلاف حول قطعة قماش أو بروتوكول رياضي.

الطرف الأول: خطأ فردي لا ينبغي تبريره

من المهم القول بوضوح إن تصرف اللاعب الكوردي، بوصفه رياضيا يمثل العراق في محفل دولي، كان تصرفا بالإمكان ان نقول عنه بأنه غير مسؤول على المستوى الوطني، بغض النظر عن الدوافع الشخصية أو الخلفيات النفسية أو السياسية المحتملة؛ فالرياضي حين يرتدي قميص المنتخب أو يمثل بلده رسميا، لا يعود فردا معزولا بالكامل عن رمزية الدولة التي يشارك باسمها.

ومن الطبيعي أن يثير إخفاء العلم استياء شريحة واسعة من العراقيين، لأن العلم —في الوعي العام— لا ينظر إليه باعتباره مجرد رمز سياسي، بل باعتباره تمثيلا جامعا لتضحيات الناس وانتمائهم الوطني، مهما اختلفوا قوميا أو مذهبيا أو ثقافيا.

لكن في الوقت نفسه، فإن فهم الخلفيات المعقدة التي قد تدفع بعض الأفراد إلى مثل هذه التصرفات لا يعني تبريرها أو منحها شرعية؛ فهناك فرق واضح بين محاولة تفسير السلوك، وبين الدفاع عنه أو اعتباره موقفا صحيحا. وقد يكون ما حدث تعبيرا فرديا مرتبكا عن أزمة هوية أو حساسية قومية أو حتى انفعال شخصي، لكنه يبقى في النهاية سلوكا لا ينسجم مع مسؤولية تمثيل بلد متعدد المكونات كالعراق.

الطرف الثاني: حين يتحول الدفاع عن الوطن إلى عداء جماعي

إذا كان تصرف اللاعب الكوردي قد استحق النقد، فإن ردود الفعل التي أعقبته كشفت بدورها عن مشكلة لا تقل خطورة؛ فبدلا من توجيه النقد إلى الفعل ذاته بوصفه تصرفا فرديا، اندفع كثيرون نحو تعميم الاتهام على الكورد بوصفهم مكوّنا كاملا، وكأن ملايين البشر يختصرون بلقطة واحدة أو تصرف شخص واحد.

لقد تحولت منصات التواصل لدى البعض من مساحة للدفاع عن الرمز الوطني إلى ساحة لإنتاج خطاب تخويني وشوفيني، استخدمت فيه عبارات تمس الانتماء الوطني للكورد العراقيين بصورة جماعية، وتتعامل مع أي خصوصية قومية بوصفها خيانة تلقائية.

أما تمجيد اللاعب المصري، فرغم تفهم الدوافع العاطفية خلفه، فقد اتخذ لدى بعض الخطابات بعدا مبالغا فيه، وكأن الوطنية العراقية لا يثبتها إلا "الآخر"، أو كأن الكرامة الوطنية تستعاد عبر الإدانة الجماعية لمكوّن داخلي.. والحقيقة أن رفع العلم من لاعب عربي آخر يمكن قراءته كبادرة تضامن رياضي وإنساني، لكن تحويله إلى أداة للمقارنة المهينة أو للمزايدة على مواطنة الآخرين يفرغ الفكرة الوطنية نفسها من معناها الأخلاقي.

المشكلة الأعمق: هشاشة الهوية المشتركة

قد تكشف هذه الحادثة، بكل ما رافقها من انفعال، عن هشاشة العلاقة بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية في مجتمعاتنا؛ ففي اللحظة التي يخطئ فيها فرد من جماعة معينة، يجري أحيانا التعامل مع الخطأ باعتباره "دليلا" على خيانة جماعية كامنة، لا باعتباره تصرفا فرديا قابلا للنقد والمحاسبة.

وهذه الذهنية لا تبني أوطانا مستقرة، لأنها تنقل الناس من منطق المواطنة إلى منطق الاشتباه المتبادل؛ فالوطن الحقيقي لا يقاس بقدرة الناس على ترديد الشعارات تحت الضغط، بل بقدرة الدولة والمجتمع على خلق شعور عادل بالانتماء والشراكة والاحترام المتبادل.

إن النقد المسؤول يجب أن يميز دائما بين إدانة سلوك فردي خاطئ، وبين شيطنة جماعة بشرية كاملة.. كما أن الدفاع عن العلم لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإلغاء التنوع القومي والثقافي داخل البلد نفسه.

كلمة أخيرة

بين يد أخفت العلم، وآلاف الأيدي التي سارعت إلى رفع خطاب التخوين، ضاعت فرصة حقيقية لنقاش أكثر نضجا حول معنى الانتماء الوطني في بلد متنوع كالعراق.

فالخطأ يبقى خطأ مهما كانت دوافعه، لكن الأخطر من الخطأ الفردي هو تحويله إلى وقود للكراهية الجماعية؛ لأن الأوطان لا تحمى فقط بالرموز، بل أيضا بالعدالة، والعقلانية، والقدرة على الاختلاف دون السقوط في التعميم والإقصاء.

وإذا كانت الرياضة يفترض أن تكون مساحة للتنافس الشريف، فإنها يجب أن تبقى أيضا مساحة لتذكيرنا بأن الإنسان أكبر من هويته الضيقة، وأن الوطن الأقوى ليس الذي يجبر أبناءه على التشابه؛ بل الذي يستطيع احتواء اختلافهم دون أن يتفكك.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon