بين حرية الفضاء الرقمي وسلطة الدولة: بافيل دوروف وشهوة السيطرة الروسية
دعاء هزاع الجابري
لم تعد الحروب تُخاض عند الحدود وحدها، بل انتقلت إلى مساحة أخرى لا تعترف بالجغرافيا؛ فضاء لا يُرى بالعين، لكنه يصوغ الرأي العام، ويُشعل الثورات، ويُسقط الروايات الرسمية، ويمنح الفرد منبرًا قد يوازي في تأثيره مؤسسة إعلامية كاملة. ومن هنا، لم يعد الصراع على الأرض وحدها، بل على الشاشة أيضًا، وعلى من يملك حق التحكم بالكلمة قبل أن تتحول إلى حدث.
في هذا السياق، يأتي إعلان روسيا إصدار مذكرة توقيف بحق مؤسس تطبيق "تيليغرام" بافيل دوروف، بتهمة تسهيل أنشطة إرهابية، ليعيد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز حدود القانون: من يملك السيادة على الفضاء الرقمي؟ الدولة، أم المنصة، أم الإنسان الذي يكتب ويقرأ ويتفاعل؟
لقد وُلد الإنترنت بوصفه وعدًا كبيرًا بالحرية، لكن الحرية التي لا يعترف بها أحد سرعان ما تتحول إلى ساحة صراع. فالدول ترى أن الأمن القومي لا يمكن أن يُترك رهينة لخوارزميات الشركات، بينما ترى المنصات أن تحوّلها إلى أداة رقابة حكومية يعني نهاية الرسالة التي قامت عليها، وهي حماية خصوصية المستخدمين وحرية التعبير.
إن المأساة الفلسفية هنا ليست في الاتهام ذاته، بل في استحالة الوصول إلى نقطة يقف عندها الجميع. فالدولة لا تستطيع القبول بفضاء رقمي قد يُستغل في الإرهاب أو الجريمة المنظمة، والمنصة لا تستطيع مراقبة كل رسالة دون أن تتحول إلى جهاز استخبارات عالمي، والمستخدم لا يريد أن يدفع ثمن هذا الصراع بفقدان حقه في الخصوصية.
لقد أدرك ميشيل فوكو أن السلطة لا تعيش في القصور وحدها، بل في كل نظام يراقب الإنسان ويعيد تشكيل سلوكه. واليوم لم تعد السلطة حكرًا على الحكومات؛ فقد أصبحت شركات التكنولوجيا تمتلك بدورها سلطة هائلة، لأنها تتحكم في تدفق المعلومات، وتقرر – ولو بصورة غير مباشرة – ما الذي يبقى وما الذي يختفي من المجال العام. وهكذا أصبح العالم يعيش بين سلطتين؛ سلطة الدولة التي ترفع شعار الأمن، وسلطة المنصة التي ترفع شعار الحرية، بينما يقف الإنسان بينهما، يحمل هاتفه كما لو كان يحمل وثيقة عبوره إلى العصر.
ولعل القضية التي يثيرها ملف دوروف تكشف أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت عنصرًا من عناصر السيادة السياسية. فالدولة التي لا تستطيع فرض قوانينها على الفضاء الرقمي تشعر بأنها تفقد جزءًا من نفوذها، والمنصة التي تستجيب لكل الضغوط تفقد ثقة مستخدميها. وبين الطرفين يتآكل المفهوم التقليدي للحدود؛ إذ لم تعد الجيوش وحدها تعبرها، بل تعبرها البيانات أيضًا، أسرع من الضوء وأصعب من الاحتواء.
إن أخطر ما في عصرنا ليس أن تتحول التطبيقات إلى أدوات للجريمة، ولا أن تتحول الدول إلى كيانات أمنية صارمة، بل أن يصبح الخوف هو المشرّع الحقيقي للعلاقة بينهما. فعندما يكتب الإنسان وهو يخشى المراقبة، أو تمتنع المنصة عن حماية الخصوصية خوفًا من العقوبات، أو تتوسع الدولة في القيود خوفًا من الفوضى، تكون الحرية قد خسرت جزءًا من معناها، حتى لو بقيت النصوص القانونية تتغنى بها.
وربما لن يُحسم هذا الصراع قريبًا، لأنه ليس نزاعًا بين روسيا ورجل أعمال، ولا بين حكومة وتطبيق، بل هو فصل جديد من السؤال الأبدي: هل تُقاس الحرية بما نملكه من حقوق، أم بما تستطيع السلطة أن تنتزعه منا باسم الأمن؟
ولعل المستقبل لن يكتب انتصار دولة على منصة، أو منصة على دولة، بل سيكتب انتصار الطرف الذي ينجح في إثبات أن حماية الإنسان لا تكون بإسكات صوته، ولا بترك الفوضى تتحدث باسمه، وإنما بإقامة توازن دقيق يجعل الأمن حارسًا للحرية، لا سجانًا لها. ففي النهاية، ليست المعركة على تطبيق رقمي، بل على معنى الإنسان في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من الرصاصة، وأبقى أثرًا منها.