الطاحونة الحجرية.. إرث الأجداد الذي يقاوم الزمن في العراق
شفق نيوز- كركوك
رغم التطور الكبير في وسائل إنتاج الغذاء، ما تزال "الطاحونة الحجرية" تحتفظ بمكانتها بوصفها إحدى أبرز الأدوات التراثية التي ارتبطت بحياة العراقيين لعقود طويلة، إذ كانت الوسيلة الأساسية لطحن الحبوب والبن قبل ظهور المطاحن الحديثة.
وفي أسواق كركوك القديمة، ما تزال الطواحين الحجرية تستقطب اهتمام الزائرين والمهتمين بالتراث الشعبي، لتبقى شاهداً على مرحلة اعتمد فيها الإنسان على أدوات بسيطة لتأمين احتياجاته الغذائية اليومية.
وتتكون الطاحونة التقليدية من حجرين دائريين سميكين، يكون السفلي منهما ثابتاً فيما يدور العلوي بواسطة مقبض جانبي، مع فتحة في الوسط توضع فيها الحبوب أو البن ليتم طحنها بفعل الضغط والاحتكاك بين الحجرين.
واستخدمت هذه الطواحين في طحن الحنطة والشعير والذرة والبقوليات، فضلاً عن القهوة والتوابل، ما جعلها أداة أساسية داخل البيوت الريفية والحضرية.
ويقول أبو مراد، صاحب متجر لبيع الأدوات التراثية في سوق كركوك، لوكالة شفق نيوز، إن الطاحونة الحجرية كانت جزءاً أساسياً من حياة العائلات العراقية قبل انتشار الكهرباء، إذ لم يكن يخلو منها منزل في القرى والأرياف، بل وحتى في العديد من أحياء المدن.
وأضاف أن الأسر كانت تعتمد عليها يومياً لإعداد الطحين اللازم للخبز والأطعمة التقليدية، مشيراً إلى أن الإقبال على اقتنائها ما يزال مستمراً من قبل المواطنين وأصحاب المطاعم التراثية والمضايف الشعبية بوصفها رمزاً للهوية الثقافية وتاريخ المنطقة.
ولا تقتصر أهمية الطاحونة الحجرية على وظيفتها التقليدية، بل تمتد إلى قيمتها التاريخية، إذ تشير دراسات أثرية إلى أن الإنسان عرف تقنيات الطحن بالأحجار منذ آلاف السنين، وتطورت هذه الأدوات عبر الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ومناطق الشرق الأوسط.
ويقول الباحث في التراث الشعبي والتاريخ المحلي الدكتور عبد الكريم خليفة، إن الطاحونة الحجرية تعد من أقدم الأدوات المنزلية التي استخدمت لتحويل الحبوب إلى مادة صالحة للاستهلاك، مبيناً أن وجودها ارتبط بتطور المجتمعات الزراعية واستقرار السكان في القرى والمستوطنات الأولى.
وأضاف أن التنقيبات الأثرية في العراق كشفت نماذج متعددة من الرحى الحجرية تعود إلى عصور قديمة، ما يؤكد أن تقنيات الطحن شكلت جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي والمعيشي للسكان.
وأوضح أن صناعة الطواحين كانت تعتمد على صخور صلبة تتحمل الاحتكاك المستمر، أبرزها البازلت والجرانيت وبعض أنواع الحجر الجيري والحجر الرملي المتماسك، لافتاً إلى أن جودة الحجر كانت تحدد عمر الطاحونة وكفاءتها، إذ بقيت بعض النماذج صالحة للاستخدام لعشرات السنين وانتقلت بين الأجيال.
ومن بين من عايشوا تلك المرحلة، تستذكر الحاجة أم الياس هدى عبد الجبار (70 عاماً) أيام استخدام الطاحونة الحجرية في منزل عائلتها، قائلة: "كنا نطحن الحبوب بشكل شبه يومي، وكانت العملية تحتاج إلى جهد ووقت طويل، لكنها كانت جزءاً من حياتنا اليومية".
وأضافت أن النساء كنّ يتعاونّ أحياناً في عمليات الطحن وتحضير الطحين اللازم للخبز، مشيرة إلى أن صوت دوران الحجر كان من الأصوات المألوفة داخل البيوت آنذاك، في وقت لم تكن فيه المطاحن الآلية متاحة أو يسهل الوصول إليها، خاصة في القرى والمناطق النائية.
وفي سوق القورية المخصص لبيع المقتنيات القديمة، ما تزال بعض الطواحين الحجرية تعرض إلى جانب أدوات منزلية تعود لعقود مضت.
ويقول صاحب متجر للمواد التراثية في سوق كركوك الكبير جانين عباس، إن الطواحين المعروضة تختلف في أحجامها وأعمارها وأنواع الأحجار المستخدمة في صناعتها، مبيناً أن القطع النادرة تحظى باهتمام هواة جمع التحف والمقتنيات التراثية.
وأضاف أن أسعارها تختلف بحسب عمرها وحالتها ونوع الحجر المصنوعة منه، فيما تحظى الطواحين المصنوعة من البازلت والجرانيت بقيمة أعلى نظراً لمتانتها وجودة تصنيعها.
ويرى متخصصون أن استمرار الاهتمام بالطاحونة الحجرية يعكس حرصاً متزايداً على الحفاظ على الذاكرة الشعبية وربط الأجيال الجديدة بماضيها، رغم تراجع الحاجة العملية إليها مع انتشار المطاحن الكهربائية والصناعية.
ورغم خروجها من دائرة الاستخدام اليومي، ما تزال الطاحونة الحجرية حاضرة في البيوت التراثية والمضايف والمتاحف والمراكز الثقافية بوصفها رمزاً للحياة القديمة أكثر من كونها أداة لإنتاج الغذاء.
ويؤكد الدكتور الأكاديمي المتخصص بشؤون التراث، عبد الكريم خليفة أن الحفاظ على هذه الأدوات لا يقتصر على عرضها للزوار، بل يتطلب توثيق قصصها واستخداماتها وأسمائها المحلية، لأن التراث المادي يمثل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمجتمعات.
وبينما تدور المطاحن الحديثة بسرعات كبيرة، تبقى الطاحونة الحجرية شاهداً على زمن كانت فيه لقمة الخبز ثمرة جهد يدوي طويل، لتواصل اليوم نقل حكاية الأجداد إلى الأجيال الجديدة وحفظ جانب مهم من الذاكرة العراقية.