نيجيرفان بارزاني وتحديات الحوار السياسي
بختيار سجادي
غالباً ما تُعرض المسيرة السياسية لنيجيرفان بارزاني بمفردات الاستقرار والتنمية والتفاوض والدبلوماسية الإقليمية. وهذه الموضوعات وثيقة الصلة ومترابطة فيما بينها. فالتنمية الاقتصادية تتطلب قدراً من الأمن، ويصعب الحفاظ على الأمن من دون تفاهم سياسي، فيما يصبح التفاهم السياسي أصعب حين يحلّ التصادم محل التواصل. وفي منطقة تتسم بتعدد النزاعات، وتنافس المشاريع القومية، وهواجس الأطراف الخارجية القوية، بنى بارزاني جانباً كبيراً من صورته العامة على الاعتقاد بأن المشكلات السياسية ينبغي معالجتها بالتواصل والتسويات العملية.
ولا ينبغي فهم هذا النهج بوصفه ادعاءً بأن الحوار قادر على حل كل نزاع، أو أن السجل السياسي لبارزاني بمنأى عن النقد. فما تزال العلاقات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد معقدة، وما تزال التوترات الإقليمية تؤثر في السياسة الكردية، وتبقى قضايا الحوكمة والنفوذ الحزبي والمساءلة الديمقراطية مهمة. ويرى مؤيدوه أن استعداده للحفاظ على قنوات التواصل، بما في ذلك مع أطراف قد يختلف معها، ساعد في إبقاء فرص الحلول السياسية قائمة. وينعكس هذا التأكيد على الحوار أيضاً في كلمات بارزاني نفسه: «تكمن قوة العراق في معالجة القضايا عبر الحوار والتفاهم» (رئاسة إقليم كردستان، 2026a). لكن منتقديه يتساءلون عما إذا كانت الدبلوماسية قد حققت تقدماً ملموساً كافياً، وعما إذا كان الالتزام نفسه بالحوار ينعكس دائماً في الحياة السياسية الداخلية.
ويشكّل الجدل الذي أعقب ملتقى ميري دافعاً مهماً لمزيد من البحث في هذه الأسئلة. فلم يكن النقاش متعلقاً بفعالية واحدة أو بقائمة ضيوفها فحسب، بل أثار قضية أوسع تتعلق بالتمثيل والشمول. فإذا كان الحوار يُقدَّم بوصفه مبدأً سياسياً أساسياً، فكيف ينبغي تطبيقه حين ترى أحزاب أو أصوات سياسية كردية أنها تعرضت للتجاهل؟ يتناول هذا المقال الدور المحوري لبارزاني في الشؤون الدبلوماسية الكردية، ويتخذ من واقعة ملتقى ميري نقطة تحوّل لفحص العلاقة بين الحوار في الخارج والشمول السياسي في الداخل.
1. نهج نيجيرفان بارزاني في الدبلوماسية
يُصوَّر الحوار أحياناً بوصفه بديلاً ناعماً عن القوة السياسية. لكن في منطقة معقدة كالشرق الأوسط، يمكن أن يكون شكلاً شاقاً من العمل السياسي. فهو يتطلب من القادة إبقاء القنوات مفتوحة حين يكون الرأي العام غاضباً، والإقرار بأن للخصوم مصالح لا يمكن تجاهلها ببساطة، والسعي إلى اتفاقات قد لا تُرضي جميع القواعد السياسية والاجتماعية. ويستند أسلوب بارزاني الدبلوماسي إلى فرضية مفادها أن الخلافات السياسية نادراً ما تُحل برفض الحديث مع أصحاب المواقف المضادة. وحتى عندما لا تفضي المفاوضات إلى تسوية شاملة، فإن استمرار التواصل يمكن أن يقلل سوء الفهم ويُبقي مجالاً لاتفاق مستقبلي.
وقد ساعدته علاقاته بالقادة السياسيين في بغداد وأنقرة وطهران والعواصم الغربية ودول الخليج الفارسي على تقديم إقليم كردستان بوصفه طرفاً قادراً على التواصل عبر المصالح المتنافسة. ويمكن أن تكون هذه العلاقات مفيدة لإقليم تجعل جغرافيته وظروفه السياسية الانعزال أمراً صعباً. فهي تتيح فرصاً لشرح الهواجس الكردية، وطلب الدعم، وإدارة التوترات قبل تحوّلها إلى أزمات أكبر. لكن ينبغي عدم الخلط بين القدرة على الوصول الدبلوماسي والوساطة في كل نزاع، كما لا ينبغي اعتبار القدرة على لقاء الشخصيات النافذة دليلاً تلقائياً على النجاح في حل النزاعات.
وعليه، فإن أقوى حجة لصالح نهج بارزاني ليست أن الحديث وحده يستطيع تجاوز كل نزاع، بل أن الانخراط المستمر يمنح الفاعلين السياسيين فرصة أفضل لإدارة خلافاتهم من دون عنف أو قطيعة دائمة. وقد عبّر بارزاني عن هذا المبدأ مباشرة في آب 2026، قائلاً إن «السلام والحوار هما الخياران الأفضل، وإن عصر السلاح والحلول العسكرية قد انتهى» (رئاسة إقليم كردستان، 2026b). وحدود هذا النهج لا تقل أهمية. إذ يجب أن يقترن الحوار بالتزامات واضحة، ومتابعة مؤسسية للتنفيذ، ومساءلة. ومن دون ذلك، قد يتحول إلى استعراض بدلاً من أن يكون وسيلة لحل المشكلات. فالسؤال المعني ليس مجرد ما إذا كانت الاجتماعات تُعقد، بل ما إذا كانت تساعد في تحقيق نتائج عملية، وما إذا كان للأشخاص المتأثرين بالقرارات السياسية صوت مؤثر في العملية.
وهذا التمييز أساسي لتقييم دبلوماسية بارزاني. فالحفاظ على العلاقات مع حكومات مختلفة ضرورة استراتيجية، لكن مصداقية النهج القائم على الحوار تعتمد أيضاً على كيفية تعامله مع الخلافات داخل المجتمع الكردي. والإقرار بهذا التوتر يتيح تقييم سجله الدبلوماسي من دون إضفاء المثالية عليه أو إنكار قيمته المحتملة.
2. بغداد وأهمية الشراكة السياسية
لطالما كانت العلاقات بين بغداد وأربيل من أصعب التحديات التي تواجه السياسة العراقية. فقد أدت الخلافات بشأن الموازنة الاتحادية، والنفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، وإدارة الحدود، والأمن، وتفسير الدستور العراقي، مراراً إلى توتر العلاقات بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية. وسعى نيجيرفان بارزاني عموماً إلى معالجة هذه الخلافات بالتفاوض بدلاً من المواجهة. ويعكس نهجه إدراكاً بأن أياً من الطرفين لا يستطيع ضمان استقرار سياسي دائم عبر تجاهل مصالح الطرف الآخر.
وشهدت هذه العلاقة محطة مهمة مؤخراً بحضور بارزاني في بغداد مراسم اختتام المهمة العسكرية للتحالف في العراق، حيث ألقى خطاباً باللغة العربية. وحمل هذا الظهور دلالة تجاوزت المناسبة نفسها؛ إذ كانت المرة الأولى التي يعرض فيها أفكاره بالعربية في مناسبة رسمية. وتمحورت كلمته حول أهمية تعزيز العراق لسيادته وتنمية ثقته بمؤسساته. وكانت الفكرة الأوسع أن العراق ينبغي أن يكون قادراً على إدارة شؤونه وتحديد مستقبله من خلال مؤسساته السياسية، مع مواصلة الانخراط البنّاء مع الشركاء الدوليين حيثما تقتضي الضرورة.
ولهذا المنظور انعكاسات مباشرة على العلاقات بين بغداد وأربيل. فعراق مستقر يحتاج إلى شراكة قابلة للعمل بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، تقوم على الدستور والاحترام المتبادل والاستعداد للتفاوض بشأن القضايا العالقة. وفي ملتقى ميري عام 2023، عبّر بارزاني عن الفكرة بإيجاز: «حل مشكلاتنا في بغداد، وليس في أي مكان آخر» (رئاسة إقليم كردستان، 2023). ولا ينبغي أن يكون تعزيز العراق ككل على حساب الحقوق الكردية أو المكانة الدستورية لإقليم كردستان. بل إن التعاون بين بغداد وأربيل أساسي لاستقرار البلاد على المدى الطويل، ولا سيما عندما تُعالَج الخلافات بشأن الموارد والصلاحيات والأمن عبر الانخراط السياسي بدلاً من التهديدات أو الإجراءات الأحادية.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الحوار وحده حل النزاعات حين لا تتبع الالتزامات إجراءات عملية. ومن المشروع أن يتساءل المنتقدون عما إذا كانت المفاوضات قد أحرزت تقدماً كافياً بشأن صرف مستحقات الموازنة، وإدارة الموارد الطبيعية، وغيرها من القضايا المزمنة. لكن البدائل، ومنها السماح بتفاقم الخلافات من دون تواصل مستمر، تنطوي على مخاطر جسيمة إضافية. ومن الأنسب فهم استمرار انخراط بارزاني مع بغداد بوصفه تعبيراً عن قناعة بأن التفاوض يظل ضرورياً لعلاقة أكثر استقراراً بين إقليم كردستان والدولة العراقية، لا دليلاً على تجاوز جميع الخلافات.
3. تركيا: دعم تسوية سياسية
تمثل تركيا أحد أكثر أبعاد دبلوماسية بارزاني الإقليمية حساسية. فقد ترك النزاع المرتبط بحزب العمال الكردستاني أثره في السياسة الكردية والأمن الإقليمي على مدى عقود. وأثّر في المجتمعات على جانبي الحدود، وفي العلاقات بين أنقرة والفاعلين السياسيين الأكراد، كما عقّد وضع إقليم كردستان. وبالنسبة إلى القادة في أربيل، تمثل التحدي في حماية مصالح الإقليم مع تجنب مواجهة أوسع مع تركيا، بوصفها جاراً مهماً وشريكاً اقتصادياً.
وقد ركّز نهج بارزاني عموماً على التواصل وضبط النفس ودعم الجهود السياسية التي يمكن أن تخفّض الكلفة الإنسانية والأمنية للنزاع. وفي اجتماع مع وفد إمرالي في شباط 2025، أكد مجدداً: «لقد دعونا باستمرار إلى عملية السلام وحل القضايا عبر الحوار»، مضيفاً أن التاريخ يثبت أن «الصراع والعنف لا يحلان الخلافات» (رئاسة إقليم كردستان، 2025a). ولا يلغي دعم الحوار الأسئلة الصعبة المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، أو الهواجس الأمنية التركية، أو حقوق المجتمعات الكردية وتطلعاتها السياسية. كما أنه لا يضمن نجاح المفاوضات. فقد تتعثر عمليات السلام، وتُفقَد الثقة، ويواجه القادة السياسيون ضغوطاً من قواعد ترى في التسوية تنازلاً. ومع ذلك، تتيح العملية التفاوضية احتمالاً لا توفره المواجهة العسكرية وحدها: سبيلاً لمعالجة المظالم السياسية الكامنة وتقليل احتمال المزيد من المعاناة.
وعلى إقليم كردستان أيضاً أن يدير مصالحه الأمنية والاقتصادية. فقد كانت علاقته بتركيا مهمة للتجارة والاستثمار وصادرات الطاقة، فيما فرضت العمليات العسكرية المرتبطة بالنزاع أعباءً على المجتمعات الحدودية. ولذلك، فإن سياسة الحوار مبدأ سياسي وضرورة عملية في آن واحد. وهي تسعى إلى الحفاظ على العلاقات مع جار قوي، من دون اعتبار الهواجس الأمنية القضايا الوحيدة المهمة. لكن نجاحها يعتمد على استعداد الأطراف المعنية لتجاوز التصريحات واتخاذ خطوات قابلة للتحقق نحو تسوية أكثر ديمومة.
وتحتل تركيا موقعاً حاسماً في الممارسة الدبلوماسية لنيجيرفان بارزاني. فالحفاظ على التواصل يمكن أن يساعد في منع سوء الفهم وصون فرص التفاوض، لكن العلاقات البنّاءة مع أنقرة لا تحل تلقائياً جوهر القضية الكردية. ومقياس الدبلوماسية ليس مجرد بقاء العلاقات ودية، بل ما إذا كان الانخراط السياسي يسهم في خفض العنف ويفتح المجال لتسوية أكثر استدامة.
4. سوريا: تحدي التمثيل الكردي
تقدم سوريا اختباراً مختلفاً، لكنه لا يقل أهمية، للدبلوماسية الكردية. فقد أدى النزاع إلى نزوح ملايين الأشخاص، وإضعاف مؤسسات الدولة، واستدراج قوى إقليمية ودولية إلى صراعات متداخلة. وسعى الفاعلون السياسيون الأكراد في سوريا إلى الاعتراف والأمن ودور مؤثر في مستقبل البلاد، فيما نظرت الدول المجاورة إلى بعض التطورات من زاوية هواجسها الأمنية الخاصة. وفي هذه البيئة، تتطلب التسوية السياسية الدائمة أكثر من مجرد توازن عسكري. فهي تعتمد على ترتيبات دستورية، وحماية للمجتمعات، وعملية سياسية قادرة على استيعاب تنوع سوريا.
ويوفر تأكيد بارزاني العلني على الحوار والشمول السياسي إطاراً للتعامل مع هذا التحدي. فموقعه وعلاقاته في إقليم كردستان يمنحانه فرصاً لتشجيع التواصل بين الفاعلين الأكراد السوريين، ودعم الجهود الرامية إلى ضمان سماع الهواجس الكردية في النقاشات بشأن مستقبل سوريا. ويكتسب هذا الانخراط أهمية لأن مسائل اللامركزية، والحماية الدستورية، والمشاركة السياسية، ومستقبل إدارة المناطق ذات السكان الأكراد، لا يمكن حلها بصورة مستدامة إذا استُبعدت القوى والقواعد السياسية المعنية. وفي الوقت نفسه، تختلف ظروف سوريا عن ظروف إقليم كردستان العراق، ولا يمكن ببساطة صياغة مستقبلها على نموذج التجربة الكردية العراقية.
ويتعلق جانب مهم من هذا النقاش بالمجلس الوطني الكردي في سوريا، المعروف اختصاراً باسمه الكردي «ENKS»، وهو مظلة سياسية كردية تمثل تياراً متميزاً داخل السياسة الكردية السورية. وتختلف هويته السياسية وعلاقاته عن هويات القوى الكردية الأخرى وعلاقاتها، وتنبع أهمية مشاركته من أن المجتمع الكردي السوري ليس متجانساً سياسياً. وأي جهد جاد لتطوير موقف كردي يحظى بقبول واسع بشأن مستقبل سوريا يجب أن يعترف بهذه الاختلافات ويوفر مجالاً لمشاركة التنظيمات السياسية المتنافسة.
ولذلك، ينبغي تقييم جهود بارزاني لتشجيع الحوار بين الفاعلين الأكراد السوريين على أساس مدى إسهامها في تهيئة شروط مشاركة مؤثرة. ويظهر هذا التأكيد أيضاً في تقرير الرئاسة عن اجتماعه بالمجلس الوطني الكردي في حزيران 2026، إذ ذكر أنه «سلّط الضوء على الدور المؤثر للمجلس الوطني الكردي»، وشدد على «أهمية استمرار الحوار والتفاهم بين جميع الأطراف الكردية» (رئاسة إقليم كردستان، 2026c). ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على جمع الممثلين في اجتماعات، بل يجب أن يصبح الحوار جوهرياً بما يكفي لمعالجة الخلافات والتوصل إلى مواقف مشتركة حيثما أمكن. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة حين تهدد الانقسامات بين الأحزاب الكردية بإضعاف قدرتها على التأثير في النقاشات المتعلقة بمستقبل سوريا. فالحوار بين الفاعلين الأكراد والحوار مع دمشق مترابطان: إذ تزداد فرص تأثير الموقف الكردي التمثيلي عندما يعكس عملية حقيقية من التشاور والنقاش.
وفي الوقت نفسه، يرى منتقدون أن المجلس الوطني الكردي تعرض للتجاهل، أو لم يُمنح حضوراً كافياً في النقاش السياسي المتعلق بأكراد سوريا. وهذا تخوف يستحق النظر. فإذا قُدِّمت عملية ما بوصفها جهداً لتعزيز الحوار الكردي، بينما اعتقد تنظيم سياسي مهم أن صوته قد هُمِّش، فمن الطبيعي أن تُثار أسئلة بشأن اتساع التمثيل واتساق العملية. فوجود مبادرات للحوار وحده لا يثبت إدماج جميع الأطراف المعنية على قدم المساواة أو بشروط مرضية.
ومن المهم التمييز بين تشجيع الحوار من حيث المبدأ وضمان التمثيل الشامل في الممارسة. فقد تسهم جهود بارزاني لتعزيز التواصل بين الفاعلين الأكراد السوريين في إيجاد بيئة سياسية أكثر بنّاءً، لكن فعاليتها تحتاج أيضاً إلى التقييم. والدرس الأوسع هو أن الوحدة السياسية الكردية لا تتحقق بمجرد مطالبة التنظيمات المختلفة بالتعاون. فهي تتطلب الاعتراف بهوياتها السياسية المتميزة، والاستعداد لمعالجة الخلافات، وعملية يعدّها المشاركون عادلة وتمثيلية بالقدر الكافي. وبالنسبة إلى بارزاني، لا يقتصر التحدي على تشجيع الحوار بين الفاعلين الأكراد السوريين ودمشق، بل يشمل أيضاً المساعدة في تهيئة شروط الحوار بين أكراد سوريا أنفسهم. وستعتمد مصداقية هذا الجهد جزئياً على قدرة المجلس الوطني الكردي على المشاركة الفعلية في صياغة مخرجاته.
5. إيران: الاختبار الصعب لدبلوماسية بارزاني
تمثل العلاقات مع إيران تحدياً بالغ الحساسية لإقليم كردستان. فالجغرافيا والتجارة والحدود المشتركة والروابط السياسية التاريخية تجعل التعامل مع طهران أمراً لا مفر منه، فيما قد تضع المنافسات الإقليمية والهواجس الأمنية أربيل في موقف صعب. وعلى إقليم كردستان أن يحافظ على علاقات قابلة للعمل مع إيران، من دون أن يفقد القدرة على متابعة مصالحه أو الحفاظ على علاقاته ببغداد والولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين. ويتطلب ذلك توازناً دقيقاً بدلاً من الاصطفاف التلقائي مع أي قوة خارجية.
وليست إيران مجرد دولة مجاورة أخرى في المشهد الدبلوماسي للإقليم. فلها نفوذ سياسي واقتصادي وأمني كبير في العراق، ولتطورات المواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة عواقب مباشرة على الأراضي العراقية وأمن كردستان. وقد يجد إقليم كردستان نفسه عرضة لضغوط لم يتسبب فيها. ولذلك، يتعين على قادته النظر في كيفية الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، مع تجنب خطوات قد تزيد التوترات بلا ضرورة أو تمس مكانة الإقليم الدستورية داخل العراق.
وقد مال نهج بارزاني الدبلوماسي عموماً إلى الحفاظ على التواصل حتى في أوقات التوتر الإقليمي. وفي حديثه عن إيران عام 2023، وصفها بأنها «جار مهم»، وقال إنه يريد للهواجس الناشئة عن الحدود المشتركة «أن تُحل عبر الحوار» (رئاسة إقليم كردستان، 2023). ويمكن لهذا الانخراط أن يساعد في تقليل مخاطر سوء الفهم وحماية القنوات التي قد تدعو الحاجة إليها أثناء الأزمات. وتكمن قيمة الدبلوماسية في إتاحة المجال لإقليم كردستان لشرح موقفه، وحماية مصالحه، وتجنب التحول إلى ساحة للمنافسات الأوسع. وفي الوقت نفسه، دعا بارزاني إلى حل القضية الكردية في إيران. وقال بوضوح في ملتقى ميري: «القضية الكردية في إيران لا تُحل بإنكارها».
ويجب أيضاً تقييم دبلوماسية الحوار تجاه إيران على أساس نتائجها العملية. فالحفاظ على التواصل قد يكون ذا قيمة، لكنه لا يعوّض المبادئ الواضحة، والمؤسسات الفعالة، والتقييم الواقعي لموازين القوة. ويحتاج إقليم كردستان إلى حماية أمنه ومصالحه الاقتصادية وحقوقه الدستورية، مع تجنب التصعيد غير الضروري. أما التحدي الأوسع فهو الحفاظ على هامش المناورة المتاح للإقليم. فأمنه وازدهاره يعتمدان على علاقات تتجاوز الانقسامات السياسية. ويمكن فهم نهج بارزاني بوصفه محاولة للحفاظ على الخيارات في بيئة إقليمية خطرة. وربما تمثل إيران أوضح مثال على ضرورة الحوار، وعلى أن الحوار وحده لا يكفي أبداً.
6. ملتقى ميري: التمثيل والشمول
يحتل الجدل المحيط بملتقى ميري موقعاً محورياً في الأسئلة التي يتناولها هذا المقال. فالقضية التي أثارتها الفعالية، ثم رد الفعل الصادر عن مقر بارزاني، لم تتعلق بتنظيم ملتقى فحسب، بل مست السؤال الأوسع بشأن الأحزاب الكردية الممثَّلة في النقاشات السياسية حول سوريا وإيران، والأصوات التي تُمنح مساحة للتعبير. وقد وضع بيان مقر بارزاني، الذي أبدى اعتراضه على طريقة تعامل الملتقى مع أجزاء كردستان الأخرى وأحزابها السياسية، مسألة الشمول تحت ضوء أوضح.
وقد يرى مؤيدو الملتقى أن التجمعات الدبلوماسية تعمل ضمن قيود سياسية وتنظيمية، وأنه لا يمكن لأي فعالية أن تكون شاملة للجميع. لكن المنتقدين قد يرون في الاستبعاد دليلاً على تطبيق لغة الحوار بصورة انتقائية، ولا سيما حين تعتقد جماعات سياسية أن آراءها أو القواعد التي تمثلها قد جرى تجاهلها. وبينما ينبغي الانتباه إلى الحدود العملية لتنظيم الفعاليات، ينبغي أيضاً التساؤل عما إذا كانت العملية تمثيلية بالقدر الكافي. ولذلك، تكمن الدلالة الأوسع لواقعة ميري في العلاقة بين الانفتاح الدبلوماسي والشمول السياسي الداخلي. وهما مهمتان غير متطابقتين، لكن يجمعهما مبدأ مشترك: يكون الحوار أكثر مصداقية عندما تُتاح للمتأثرين بالقرارات فرصة مؤثرة للتعبير عن آرائهم.
وفي بيانه بشأن الملتقى، رأى المجلس الوطني الكردي أن الدعوات إلى النقاشات المتعلقة بالشؤون الكردية «ينبغي أن تشمل جميع الأطراف السياسية»، ودعا إلى المشاركة «من دون تمييز أو إقصاء» (رووداو، 2026). وينبغي قراءة البيان بوصفه تعبيراً عن تخوف يتعلق بترتيبات الملتقى. وفي ملتقى ميري، شدد بارزاني مجدداً على التعاون بين سوريا والأحزاب الكردية في القضايا الاستراتيجية. ولا تعتمد أهمية هذه النقاشات على موضوعاتها وحدها، بل أيضاً على مدى إتاحتها خلافاً ذا معنى وإسهامها في تحقيق نتائج عملية. ولا ينبغي قياس الحوار حصراً بعدد الاجتماعات المنعقدة أو بمدى بروز المشاركين فيها. بل ينبغي أيضاً الحكم عليه من خلال ما إذا كان تفاعل الآراء المتنافسة والانخراط السياسي يساعدان في بناء الثقة بدلاً من تعميق الشعور بالإقصاء.
7. المسؤولية السياسية والوحدة الكردية
تتسم الهوية السياسية لنيجيرفان بارزاني بخبرته الطويلة في تنمية إقليم كردستان والدبلوماسية البنّاءة. كما يرتبط إرثه السياسي ارتباطاً وثيقاً بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وبالرئيس مسعود بارزاني على وجه الخصوص، الذي يشغل نيجيرفان منصب نائبه في الحزب. وقد ساعدته هذه السمات على امتلاك قاعدة سياسية راسخة وعلاقات مع شخصيات سياسية إقليمية ودولية نافذة.
ويجب أن يقرّ التقييم المتوازن بالقيمة العملية لنهجه الدبلوماسي، وبحدود الإطار الإقليمي الذي يتحرك داخله. ويشير مؤيدوه إلى قدرته على الحفاظ على العلاقات عبر المصالح المتنافسة، والسعي إلى الحوار خلال فترات التوتر، وتقديم إقليم كردستان بوصفه شريكاً في الاستقرار الإقليمي. أما منتقدوه فيتساءلون عما إذا كانت هذه الجهود قد ترجمت إلى بيئة ديمقراطية أقوى وحلول دائمة للنزاعات الدستورية.
وغالباً ما تُطرح الوحدة السياسية بوصفها هدفاً ضرورياً للأكراد، ولا سيما حين تكون القرارات الإقليمية قادرة على تشكيل مستقبلهم. ويظهر مبدأ مشابه في تصريحات بارزاني بشأن المشاركة السياسية العراقية: «يجب أن تعدّ جميع مكونات العراق نفسها مشاركة في العملية السياسية في البلاد» (رئاسة إقليم كردستان، 2022). وسيعتمد مستقبل دبلوماسية بارزاني على إمكان تحويل الحوار إلى نتائج مستدامة. وستُخدم مصالح إقليم كردستان بصورة أفضل إذا استندت الدبلوماسية إلى حوكمة داخلية أقوى وبيئة سياسية يمكن فيها التعبير عن النقد بحرية.
الخاتمة: كردستان جسراً لا ساحة معركة
يقوم نهج نيجيرفان بارزاني السياسي على فكرة واضحة: في منطقة تشكلها النزاعات والمصالح المتنافسة، يُعد الحوار أداة ضرورية للبقاء والتقدم السياسيين. فانخراطه مع بغداد، ونهجه تجاه قضية تركيا وحزب العمال الكردستاني، واهتمامه بالمشاركة الكردية في سوريا، وجهوده للحفاظ على العلاقات مع إيران مع تناول القضية الكردية فيها، تعكس جميعها محاولة للحفاظ على مجال للتفاوض في ظروف غالباً ما تكافئ المواجهة.
ولا ينبغي إضفاء طابع رومانسي على نهجه. فالحوار قد يكون بطيئاً، والتسويات قد تخيّب آمال المؤيدين، والبروز الدبلوماسي لا يحل بذاته النزاعات المتعلقة بالحقوق والموارد والمساءلة. ولذلك، فإن التقييم الأكثر متانة لسجل بارزاني يجب أن ينظر في استعداده للحفاظ على قنوات التواصل، وفي النتائج الملموسة التي تحققها تلك القنوات. كما يجب أن ينظر في نوعية الشمول داخل العمليات السياسية، بما في ذلك الأسئلة التي أثارها ملتقى ميري الأخير بشأن النقاش السياسي الكردي السوري والإيراني.
وغالباً ما وجد إقليم كردستان نفسه عند تقاطع صراعات إقليمية أكبر. وفي خطابه ببغداد في تشرين الأول 2026، وصف بارزاني الطموح بأنه عراق دستوري اتحادي مستقر وكامل السيادة، يؤدي دوراً «لا كساحة للتوترات الإقليمية، بل كمنصة للحوار البنّاء» (رئاسة إقليم كردستان، 2026a). وتطرح رؤية بارزاني الإقليم بوصفه جسراً محتملاً بين فاعلين سياسيين يحتاجون إلى وسائل للتواصل رغم خلافاتهم. ومن الأرجح أن ينبثق الأمن الدائم من التفاوض والاعتراف المتبادل والحوكمة الخاضعة للمساءلة، أكثر من انبثاقه من دورة دائمة من المواجهة. ويبقى التحدي هو تحويل هذا المبدأ إلى إنجازات سياسية عملية.
بختيار سجادي*
أستاذ جامعي وناقد ثقافي
(نشر على موقع كردپرس الالكتروني)