من سبايكر إلى كوردستان.. خارطة السلام لنيجيرفان بارزاني للتعايش الوطني
فينوس بابان
لم تكن فاجعة سبايكر في حزيران 2014 مجرد خرق أمني عابر في خطوط المواجهة العسكرية بل تمثل في جوهرها شرخاً بنيوياً في جدار السلم المجتمعي وهزّة ضميرية هي الأشد عنفاً في تاريخ العراق الحديث إن استذكار رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، لهذه الفاجعة اليوم يحمل أبعاداً تتجاوز بروتوكولات الرثاء الإنساني إلى آفاق المقاربة الدبلوماسية الوقائية إنها دعوة علنية لتفكيك الأزمات من جذورها والاعتراف بحقيقة حتمية.. وهي أن الاستقرار السياسي والسيادة الوطنية لا يمكن تحصينهما بالترسانات العسكرية وحدها، بل بمدى إيمان الدولة وصنّاع القرار بأن الإنسان وحقوقه غير القابلة للتجزئة هما المبتدأ والمنتهى في أي مشروع حقيقي لبناء السلام.
وعند قراءة الكلفة البشرية والمادية لفاجعة سبايكر تضعنا المعطيات أمام حجم المسؤولية الاستراتيجية والتاريخية، فنحن نتحدث عن جريمة إبادة جماعية نفذت بدم بارد وطالت قرابة 1700 إلى 2000 شاب من طلاب القوة الجوية والمتطوعين العسكريين غير المسلحين وهي الجريمة التي وثقها فريق التحقيق الأممي (UNITAD) واعتبرها جرائم حرب ترقى إلى مصاف الإبادة الجماعية، لقد ارتبطت هذه الكارثة بكلفة اقتصادية باهظة تجاوزت 88 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمره الإرهاب فضلاً عن تسبب المعارك في نزوح أكثر من 5 ملايين مواطن عراقي في ذروة الأزمة مما يؤكد بالأرقام والدلالات أن غياب الرؤية الوقائية وضعف مؤسسات المواطنة يدفع ثمنه المجتمع بأكمله من أمنه وتنميته ومستقبل أجياله. وتثبت التجربة التاريخية أن دحر التنظيمات الإرهابية عسكرياً رغم عظمتها والتضحيات الجسيمة التي قدمتها القوات الأمنية وقوات البيشمركة البطلة يبقى منقوصاً ما لم يتبعه تقويض فكري وهيكلي لبنية التطرف، وفي هذا السياق يبرز العمق الاستراتيجي في تفكيك السيد نيجيرفان بارزاني للأزمة حيث ركّز بيانه على ثنائية الإنصاف والمواجهة الشاملة، إن التشديد على محاربة التطرف بجميع أشكاله وصوره يمثل تشخيصاً دقيقاً وموجهاً إلى صنّاع القرار فالإرهاب لا ينبت من فراغ، بل يتغذى على ثغرات التهميش والإقصاء وخطاب الكراهية والإنصاف الحقيقي لا يتوقف عند التعويض المادي بل يمتد ليشمل إرساء بيئة سياسية وتشريعية تمنع تكرار مثل هذه الفظائع.
إن القيمة الدبلوماسية الكبرى لموقف رئيس إقليم كوردستان تكمن في سحب القضية من براثن الاستغلال السياسي الضيق أو التوظيف الطائفي والتحليق بها في فضاء الأنسنة الشاملة، حيث يعيد هذا الخطاب التذكير بأن دماء شباب الوسط والجنوب في سبايكر تلتقي في رمزيتها الإنسانية مع دماء ضحايا الإبادات الجماعية (الجينوسايد) التي تعرض لها الشعب الكوردستاني عبر الأنفال وحلبجة وضد المكون الإيزيدي والمكونات الأخرى في سنجار والموصل، إن هذا التماثل يؤكد للشارع العراقي أن المعاناة واحدة والجلاد وإن اختلفت أسماؤه يحمل ذات الفكر الإقصائي مما يفرض مسؤولية أخلاقية تقتضي ألّا تتجزأ العدالة وأن يكون التضامن عابراً للجغرافيا والانتماءات الفرعية.
إن الرسالة الأبلغ التي يوجهها رجل السلام والتعايش رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى صنّاع القرار في بغداد وأربيل وللمجتمع الدولي، هي أن السلام المستدام لا يصنع بالاتفاقيات السياسية الفوقية بل يولد من رحم المواطنة المتساوية، فلا يمكن لبناء الدولة أن يستقيم إذا كان هناك فرد واحد يشعر بأن هويته الفرعية مهددة أو أن حقه مستباح، لقد آن الأوان للانتقال من استراتيجية إدارة الأزمات إلى تصفير الأزمات بجعل التعددية الدينية والقومية في العراق مصدر قوة واستقرار لا فتيل نزاع إن تضامن كوردستان مع عوائل شهداء سبايكر هو الخارطة الدبلوماسية الأمثل لبلسمة الجراح التاريخية والعبور نحو غد آمن ومستقر يترسخ معه عهد جديد يؤمن بأن أمن أربيل هو أمن بغداد وأن دماء شباب البصرة والأنبار وسنجار وتكريت وكوردستان هي ذخر هذا الوطن وأن كرامة المواطن العراقي وحقوقه هي السيادة الحقيقية والوحيدة للدولة.