من دعم الجيش إلى هندسة السلطة.. التحول السعودي في السودان
عبد السلام القصاص
لم تعد الأزمة السودانية تُدار عبر المواجهات العسكرية وحدها، بل باتت تشهد سباقًا إقليميًا لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة ومؤسساتها. وفي هذا السياق، تبرز السعودية كأحد أبرز الفاعلين الساعين إلى التأثير في مسار الحرب وما بعدها، عبر الجمع بين أدوات الدعم العسكري والانخراط في ترتيبات سياسية تستهدف رسم ملامح المرحلة الانتقالية. فيما يكشف تقرير جديد لموقع "أفريكا إنتلجنس" الفرنسي عن ملامح هذه المقاربة، التي تتجاوز دعم الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، لتشمل إعادة هندسة مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، في إطار رؤية أوسع لمستقبل السودان.
إذ إن تقرير موقع "أفريكا إنتلجنس" الفرنسي يؤشر إلى تحولات في المقاربة السعودية للأزمة السودانية، سيما أن دور الرياض لم يعد يقتصر على مساندة الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، بل يتخطى هذا الفصاء الضيق والمحدود إلى مجال التأثير الأوسع والأكثر فعالية لجهة إعادة تشكيل موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، ومن ثم، ربط استمرار دعمها بإجراء تغييرات في بنية وهيكلية السلطة ومراكز النفوذ.
من ثم، قدمت السعودية حوافز مالية لتشجيع عدد من القادة الميدانيين على الانشقاق عن قوات الدعم السريع والانضمام إلى الجيش السوداني، في خطوة تستهدف تعزيز موقع الجيش وإعادة رسم الخريطة العسكرية على الأرض وفق التقرير الفرنسية، وقد حصل اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، على قرابة 2.5 مليون دولار مقابل انشقاقه مع مجموعة من مقاتليه ومعداته العسكرية، فيما تلقى القائد علي رزق الله، الملقب بـ"السافنا"، دعما ماليا تراوح بين 800 ألف و2.5 مليون دولار، ضمن الترتيبات التي سبقت انضمامه إلى الجيش في أيار/ مايو الماضي.
في حين أن هذه التحركات تتجاوز بعدها العسكري المباشر، إذ تندرج ضمن مساعٍ أوسع بغية إعادة هندسة وترتيب مراكز النفوذ داخل هيكل السلطة السودانية، خصوصًا عبر الحد من تأثير الحركة الإسلاموية الراديكالية وجناجها المسلح المصنفين على قوائم الإرهاب الأميركية المعروفة بـ"البراء بن مالك" داخل المؤسسة العسكرية، بما يتماشى مع تصورات مقاربة الرياض السياسية والإقليمية لمستقبل المرحلة المقبلة.
ولم يعد خافيًا أن المقاربة السعودية تميل إلى أن يكون الاستقرار في السودان أمراً ضرورياً وملحًا، بما يجعل خطواتها وازنة ومحسوبة بدقة، ذلك ما كشف عنه تقرير الموقع ذاته، والذي نقل عن مصادره أن السعودية أبلغت رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأن مواصلة المملكة تقديمها الدعم السياسي والمالي يرتبط على نحو مباشر باتخاذ خطوات عملية لإبعاد وتنحية التيار الإسلامي عن دائرة النفوذ وحلحلة مواقعه داخل الجيش. إلا أن البرهان في ما يبدو قد أقر البرهان بتعقيدات وصعوبات تواجهه لجهة تحقيق هذا المطلب في التوقيت الراهن، لا سيما مع معضلة غياب البدائل السياسية التي بمقدورها إدارة المرحلة الانتقالية وتوفير إطار آمن وانتقالي.
وبدا لافتًا ما ألمحت إليه المعلومات بالتقرير الفرنسي إلى وجود ثمة تحركات سعودية حثيثة موازية على المستوى السياسي، تضمنت تدشين قنوات اتصال مع شخصيات مدنية، من بينها أطراف في تحالف "صمود" المرتبط برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وذلك في إطار مساعٍ لبناء قاعدة سياسية يمكن أن تضطلع بدور مهم في أي ترتيبات انتقالية أو إعادة تشكيل للسلطة.
من هنا، يمكن القول إن السياسة السعودية تجاه السودان باتت تعتمد مزيجًا من أدوات التأثير المزدوجة بين ما هو عسكري وسياسي، بهدف إعادة هندسة مراكز القوة داخل الدولة، بدلًا من الاكتفاء بدعم أحد طرفي النزاع. حيث إن أي مسار لإعادة تشكيل السلطة بقيادة البرهان سيظل يواجه تحديات تتعلق بالشرعية والقبول السياسي، معتبرًا أن إعادة إنتاج السلطة بصيغة جديدة لن تكون كافية لإنهاء الأزمة ما لم تستند إلى توافق أوسع يضم مختلف القوى الفاعلة في المشهد السوداني.
وبالمحصلة، تشير المعطيات كافة إلى أن المشهد السوداني بات مرشحًا لمزيد من التعقيد، مع تداخل الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية والإقليمية. غير أن التحركات السعودية تعكس انتقالًا من سياسة دعم طرف في الصراع إلى محاولة التأثير في شكل السلطة التي ستنبثق بعد الحرب. فيما يظل نجاح هذه المقاربة رهينًا بقدرة الأطراف السودانية على التوصل إلى صيغة سياسية تحظى بقبول واسع، في ظل استمرار القتال وتعدد مراكز النفوذ، وهو ما يجعل إعادة تشكيل السلطة وحدها غير كافية لإنهاء الأزمة ما لم تُترجم إلى تسوية شاملة ومستدامة.