مضيق هرمز… لحظة الصمت التي لا تتكرر
فينوس بابان
ليست كل النقاط على الخريطة سواء هناك أماكن تتحول من مجرد جغرافيا إلى معادلة قوة ومن ممر مائي إلى ميزان استقرار عالمي مضيق هرمز هو أحد تلك المفاصل الحساسة في النظام الدولي؛ شريان طاقة يمر عبره ما يقارب 20% من الاستهلاك النفطي العالمي يومياً أي ما بين 17 إلى 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً خاصة من قطر عرض المضيق في أضيق نقطة لا يتجاوز 33 كيلومتراً فيما يمر خط الملاحة في ممرين لا يزيد عرض كل منهما عن 3 كيلومترات. هذه الأرقام وحدها تكفي لفهم أن أي اضطراب ولو محدود يمكن أن يهز أسواق الطاقة ويعيد رسم حسابات الأمن الدولي. مضيق هرمز ليس مساحة للتجربة. إنه لحظة صمت ثقيل في السياسة الدولية لأن كسر هذا الصمت يعني الدخول في دوامة يصعب احتواؤها.
تقع السواحل الشمالية للمضيق تحت سيطرة إيران فيما تشرف سلطنة عمان من الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. قانونياً يخضع المضيق لقواعد المرور العابر وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ما يمنع الإغلاق التعسفي للملاحة الدولية. لكن السياسة لا تتحرك بالقانون فقط بل بميزان القوة. إيران تملك أدوات تعطيل مؤقتة زوارق سريعة ألغام بحرية صواريخ ساحلية مضادة للسفن وطائرات مسيرة. كما أن للحرس الثوري حضوراً بحرياً نشطاً في المنطقة. غير أن الإغلاق الكامل والمستدام أمر مختلف تماماً؛ فهو يعني مواجهة مباشرة مع القوى البحرية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تحتفظ بالأسطول الخامس في البحرين إضافة إلى وجود بريطاني وفرنسي متكرر ضمن تحالفات حماية الملاحة. بمعنى أدق إيران تستطيع أن ترفع منسوب التهديد وأن تخلق اضطراباً تكتيكياً لكنها لا تستطيع عملياً إغلاق المضيق لفترة طويلة من دون الدخول في صدام عسكري واسع ستكون كلفته باهظة عليها أولاً. لهذا غالباً ما يُستخدم المضيق كورقة ضغط استراتيجية في لحظات التوتر لا كخيار حرب شامل.
الأسواق النفطية شديدة الحساسية. في أزمات سابقة كان مجرد التلويح بإغلاق المضيق يرفع أسعار النفط بين 5 إلى 15% خلال أيام. في سيناريو إغلاق فعلي لأسبوعين فقط قد تقفز الأسعار إلى ما فوق 120 دولاراً للبرميل بينما في حال استمرار التعطيل شهراً أو أكثر قد تتجاوز 150 دولاراً وفق تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية. هذا يعني تضخم عالمي متجدد خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين اضطراب سلاسل الإمداد الصناعية وضغط هائل على الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة مثل الصين والهند واليابان. حتى مع وجود مخزونات استراتيجية لدى الدول الصناعية (تغطي نحو 90 يوماً من الواردات لدى بعض الدول) فإن استمرار الأزمة سيعيد العالم إلى مناخات صدمة السبعينيات النفطية لكن في نظام اقتصادي أكثر تشابكاً وهشاشة.
دول الخليج تعتمد بشكل أساسي على هرمز لتصدير نفطها صحيح أن السعودية تملك خط أنابيب “شرق–غرب” الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يومياً وأن الإمارات تمتلك خط حبشان–الفجيرة بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً إلا أن هذه البدائل لا تعوض كامل الكميات المارة عبر المضيق. أي إغلاق سيؤدي إلى خسائر مالية يومية ضخمة لدول الخليج إعادة تموضع عسكري في المنطقة وضغط دولي مكثف لاحتواء التصعيد. المنطقة لا تحتمل حرب ممرات بحرية لأن أي اشتعال فيها لن يبقى محصوراً بل سيتدحرج إلى صراعات أوسع.
العراق يصدر أكثر من 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً من موانئ البصرة عبر الخليج أي عبر المسار المرتبط بهرمز أكثر من 90% من إيرادات الدولة تعتمد على النفط إغلاق المضيق يعني عملياً صعوبة تصدير النفط انخفاض الإيرادات أو توقفها جزئياً ضغط مباشر على الرواتب والموازنة العامة واضطراب في الاستيراد الغذائي والسلعي. يمتلك العراق منفذاً عبر خط أنابيب جيهان في تركيا لكن طاقته محدودة كما أن تشغيله الكامل يخضع لاعتبارات سياسية وفنية بمعنى واضح العراق من أكثر الدول تأثراً بأي تصعيد في هرمز ليس عسكرياً فقط بل مالياً واجتماعياً.
في هذا المشهد المعقد يبرز دور إقليم كوردستان بوصفه عاملاً استقرار داخلي الإقليم يمتلك تجربة في إدارة الأزمات الاقتصادية والسياسية كما يرتبط بعلاقات متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية متعددة. الدور الإيجابي هنا يتمثل في دعم الاستقرار السياسي الداخلي ومنع انتقال التوتر الإقليمي إلى الداخل العراقي تنشيط القنوات الدبلوماسية مع العواصم المؤثرة تعزيز التنسيق الأمني مع بغداد لضمان وحدة الموقف الوطني وتسريع البحث عن بدائل تصدير وتنويع الاقتصاد. حكمة القيادة لا تعني الانحياز بل تعني حماية المصالح الوطنية في لحظة اضطراب إقليمي.
تعطيل محدود (أيام) ارتفاع أسعار 5–10% اضطراب مؤقت في الشحن إغلاق قصير (أسبوعان) أسعار قد تتجاوز 120 دولاراً تدخل دولي سريع إغلاق ممتد (شهر فأكثر) أسعار قد تصل 150 دولاراً أو أكثر تضخم عالمي ضغط عسكري واسع لكن السيناريو الثالث يبقى الأقل احتمالاً لأنه يعني مواجهة شاملة لا مصلحة لأي طرف فيها.
مضيق هرمز ليس ممراً عادياً وليس ورقة يمكن استخدامها بلا كلفة إنه نقطة توازن دقيقة بين الردع والانفجار العالم يدرك أن كسر هذا التوازن سيطلق موجة صدمات تتجاوز النفط إلى السياسة والأمن والاقتصاد لذلك تبقى الحكمة هي الخيار الأكثر واقعية فالتاريخ يعلمنا أن بعض اللحظات إذا انكسرت لا تتكرر بنفس الشروط ومضيق هرمز… لحظة صمت كهذه.