مستقبل بورق الماضي: منع البلاستيك في العراق بين الضرورة البيئية وواقع الحال
صادق الازرقي
أعلنت الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي الذي عين حديثا، عن منع التوزيع المجاني لأكياس التسوق البلاستيكية وحظر استعمالها في الأفران في غضون ستة أشهر، فضلا عن فرض رسوم على المصانع المنتجة لأكياس النايلون، وتوجيه جزء من الإيرادات لدعم مشاريع إعادة التدوير والتوعية البيئية.
ولنا ان تتساءل هنا، كيف كانت الخطوة غائبة عن الحكومات العراقية طوال أكثر من عقدين من الزمن، وهل ان علينا أن ننتظر مددا أطول أخرى حتى نكتشف مخاطر تلوث البيئة ونأخذ قرارات وقائية بشأنها؟
المفارقة اننا كنا نستعمل الأكياس الورقية والأكياس القماشية والزجاج في نقل وحفظ المواد في سبعينات القرن الماضي ثم انكفأنا إلى الأكياس والعلب البلاستيكية. لم يكن الشعب يعي خطورة ذلك بسبب انشغاله فيما بعد بالحروب والأزمات، وبعد تغيير النظام المباد في 2003 كان يفترض أن نصحح ذلك وتطبق الإجراءات السليمة بشأن البيئة، لاسيما بعد ظهور النتائج المدمرة للتلوث، لإهمال الجهات المعنية برغم الانفتاح على شبكة المعلومات "الانترنت" ، إلا أن المجتمع ظل متخلفا ويتعامل مع المخاطر البيئية بإهمال و دونما وعي، فتراكمت القمامة واهملت الإجراءات الصحيحة في التعامل مع مواد الاستهلاك اليومي ومنها الأكياس البلاستيكية.
أن ذلك يدفعنا للتساؤل بشأن العدالة البيئية والمسؤولية القانونية تجاه المناخ، وعن القوانين الوطنية والدولية وضوابط إلزام المؤسسات والأفراد بالحد من التلوث. إن تأخر خطوة حظر الأكياس البلاستيكية لأكثر من عقدين ليس مجرد إهمال، بل هو نتيجة منظومة من المعوقات اذ انشغلت الحكومات المتعاقبة بملفات "البقاء" ومن ذلك قضايا الأمن، والاستقرار السياسي، وإدارة الموازنة الريعية، ما جعل الملفات البيئية تصنف دائما كملفات ثانوية لا توازي في أهميتها السياسية ملفات الكهرباء أو الرواتب مثلا، واعتمدت الدولة لآماد طويلة على إيرادات النفط السريعة، مما عطّل التفكير في اقتصاد التدوير أو الانتقال إلى بدائل صديقة للبيئة، إذ أن فرض رسوم على المصانع التي تنتج البلاستيك يتطلب بنية تحتية صناعية بديلة منها صناعة الورق أو الأكياس القماشية، وهي قطاعات كانت مهملة.
ان هيمنة الأكياس البلاستيكية ارتبطت بكونها الخيار الأوفر للمواطن ولأصحاب المشاريع الصغيرة في ظل غياب سياسات دعم للبدائل، ما جعل أي قرار منع ينظر إليه كعبء إضافي على الطبقات الفقيرة. إن قضية العدالة البيئية في السياق العراقي يجب أن تفهم كجزء من الحق في بيئة سليمة، وهو حق دستوري وإنساني يتطلب الانتقال من التوجيه الإرشادي إلى الالتزام القانوني. عالميا، يجري الاعتماد على ما يسمى مبدأ "الملوث يدفع" وهو ما يظهر أن الحكومة بدأت بتبنيه عبر فرض رسوم على المصانع. يجب تعزيز هذا المبدأ ليشمل المصانع الكبرى والمؤسسات العامة لا الأفراد فقط، بخاصة ان العراق طرف في اتفاقيات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ وهذه الاتفاقيات تفرض ضغوطا تقنية على الدول للحد من الانبعاثات والنفايات الصلبة، وان التأخر هنا يعني خسارة العراق لفرص تمويل دولي مخصصة لمشاريع التكيف البيئي.
ان العدالة البيئية هي ضمان ألا يتحمل الفقراء ضريبة التغير المناخي والسياسات البيئية وحدهم، وإذا جرى منع البلاستيك من دون توفير بديل رخيص ومتاح، تتحول العدالة البيئية إلى عقوبة اجتماعية؛ لذا، فإن تخصيص إيرادات الرسوم لدعم مشاريع إعادة التدوير يجب أن يوجه جزءا منه لدعم صغار المصنعين والمستهلكين.
للأسف، تعتمد الإدارة العامة في العراق على سياسة رد الفعل بدلا من الاستباقية فنحن ننتظر وقوع الكارثة، من ذلك تراكم النفايات، وتلوث المياه، والجفاف، ثم نبحث عن تشريع، و للخروج من هذه الحلقة المفرغة، الدولة بحاجة إلى دمج الاقتصاد بالبيئة، و النظر إلى حماية البيئة كمصدر لخلق فرص عمل جديدة في تدوير النفايات، و صناعة البدائل، والطاقة النظيفة، كما يجب توفير الاستقلالية للمؤسسات البيئية بمنح وزارة البيئة صلاحيات قانونية للضغط على المؤسسات الأخرى كالصناعة والنفط والبلديات، وعدم الاكتفاء بالدور الاستشاري، وتحويل الوعي البيئي من مجرد حملات توعية إلى مواطنة بيئية اذ يراقب المجتمع المدني مدى التزام المصانع والمؤسسات بالمعايير.
خلاصة القول إن قرار منع الأكياس البلاستيكية، برغم بساطته، هو اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الحالية على الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وان التحدي ليس في إصدار القرار، بل في مدى عدالة تطبيقه واستدامته بعيدا عن المصالح الاقتصادية الضيقة للمنتجين.
لقد أدت الأزمات المتلاحقة والحروب في العراق إلى تحجيم الوعي البيئي ليصبح رفاهية لا مكان لها في هرم احتياجات المواطن الذي كان يكافح من أجل البقاء، و إن الانتقال من الأكياس الورقية (الصديقة للبيئة) في السبعينات إلى البلاستيك لم يكن خيارا واعيا بقدر ما كان انسياقا وراء ثقافة الاستهلاك الرخيص التي غزت الأسواق من دون رقابة، وتزامنت مع انهيار مؤسسات الدولة الرقابية. و لقد كانت هناك فرصة ذهبية بعد 2003 لإعادة هيكلة المعايير البيئية، لكن عدة عوامل تضافرت لإجهاض هذا التوجه فبعد الانفتاح، غمرت البضائع الرخيصة بما فيها البلاستيك منخفض الجودة الأسواق، ولأن الدولة لم تفرض معايير بيئية أو ضريبية على الاستيراد، أصبح البلاستيك هو الخيار الأسهل والأرخص للتجار والمستهلكين على حد سواء؛ وفيما كان العالم يتجه نحو التوعية البيئية عبر الإنترنت، كان المجتمع العراقي ما يزال يصارع لتأمين الخدمات الأساسية، وانشغل الفضاء العام بالصراعات السياسية والهوياتية، وتراجعت قضايا البيئة من صدارة الاهتمام الوطني. و حين يرى المواطن أن الدولة نفسها تهمل الشوارع والخدمات، يضعف لديه حافز المحافظة على البيئة؛ فتصبح اللامبالاة البيئية نوعا من التكيف مع الواقع المتردي.
و من دون تواجد بدائل اقتصادية مدعومة مثل توفير بدائل ورقية أو قماشية بأسعار منافسة، ومن دون فرض غرامات حقيقية، يظل الفرد العراقي يختار البلاستيك لأنه الخيار العملي الوحيد أمام ميزانية منهكة، وهنا يتوجب إعادة الاعتبار للحرف المحلية، بتشجيع المشاريع الصغيرة التي تنتج البدائل الصديقة للبيئة، لتصبح جزءا من الدورة الاقتصادية لا عبئا عليها.