محطة نووية تعمل بالمولدات

محطة نووية تعمل بالمولدات

إيفان دوڤهانيش

2026-09-10T08:19:34+00:00

لماذا أمضت أكبر محطة نووية في أوروبا نحو أربعة أعوام على النحو الذي تعرفه كل أسرة عراقية جيداً — وما الذي يستطيع العراق فعله حيال ذلك؟

كل عائلة في العراق تعرف ما هو المولد الكهربائي. تعرف صوته، وعدد الأمبيرات التي يوفرها، وكم ساعة في اليوم سيتعين عليها الاعتماد عليه. المولد يمثل شريان حياة، لكن لا أحد يمكن أن يصف الحياة معه بأنها طبيعية. إنه ما تلجأ إليه عندما تخذلك شبكة الكهرباء.

والآن، تخيلوا محطة نووية تضم ستة مفاعلات، وهي الأكبر في أوروبا، فقدت منذ بداية عام 2022 الكهرباء الخارجية 27 مرة، واضطرت إلى الاعتماد على 19 مولداً يعمل بالديزل.

وقد انتهت المرة السابعة والعشرون هذا الأسبوع فقط. فمنذ 20 أغسطس/آب، أمضت المحطة 18 يوماً متواصلاً وهي تعتمد على مولدات الديزل، فيما حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن احتياطيات الوقود لن تكفي لأكثر من نحو عشرة أيام أخرى.

هذه ليست مجرد فرضية. إنها محطة زابوريجيا للطاقة النووية، الواقعة في جنوب بلدي، أوكرانيا.

ما الذي يعنيه فعلياً توقف المفاعل؟

في 4 مارس/آذار 2022، سيطرت القوات الروسية على المحطة. ومنذ ذلك الحين، بقي في الموقع عسكريون روس وأفراد آخرون لم تحصل المحطة على تفويض ببقائهم هناك.

وتوجد الوحدات الست للمفاعلات في حالة تُعرف باسم الإغلاق البارد منذ أكثر من عامين، أي أن المحطة لا تنتج كيلوواطاً واحداً من الكهرباء.

لكن المفاعل المتوقف ليس مثل مصباح أطفئ ببساطة. فالوقود النووي يواصل إنتاج الحرارة لفترة طويلة بعد توقف المفاعل، وهذه الحرارة يجب التخلص منها بصورة مستمرة. وهذا يتطلب مضخات ومياهاً وكهرباء لتشغيل المضخات.

عندما تنقطع الكهرباء، يبدأ الوقت بالضغط.

ولهذا تعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية توفير مصدر موثوق للكهرباء الخارجية أحد الشروط الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها لضمان سلامة أي محطة نووية، سواء كانت تعمل أم متوقفة.

قبل احتلال المحطة، كانت محطة زابوريجيا تحصل على الكهرباء عبر عشرة خطوط، بينها أربعة خطوط بقدرة 750 كيلوفولت وستة خطوط بقدرة 330 كيلوفولت.

أما اليوم، فأصبحت تعتمد على خط احتياطي واحد بقدرة 330 كيلوفولت.

وقد تضرر الخط الرئيسي في مارس/آذار من هذا العام، وأُصلح خلال الصيف أثناء هدنة محلية توسطت فيها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن محطة تحويل كهرباء تقع على بعد أكثر من 100 كيلومتر ما تزال خارج الخدمة، ولذلك لا يزال الخط متوقفاً.

وعندما انقطع آخر خط في 20 أغسطس/آب، لم يصبح إصلاحه ممكناً إلا بعد أن تفاوضت الوكالة مجدداً على هدنة محلية أخرى، وهي الهدنة السابعة في هذه الحرب.

وخلال عام 2026 وحده، فقدت المحطة الكهرباء الخارجية 15 مرة. وفي خريف عام 2025، شهدت انقطاعاً استمر 31 يوماً.

ثلاثة عقود من الكهرباء المولدة بالمولدات في العراق تجعل العراقيين يدركون جيداً ماذا يعني ذلك: أكبر محطة نووية في أوروبا أمضت 31 يوماً تعتمد على المولدات.

المياه

هناك أمر آخر تفهمه بلاد الرافدين أكثر من أي مكان آخر في العالم: المياه.

فالمفاعل، حتى عندما يكون متوقفاً، يحتاج إلى المياه بقدر حاجته إلى الكهرباء.

كانت محطة زابوريجيا تعتمد في تبريدها على مياه خزان كاخوفكا الضخم. لكن منذ فقدان الخزان عام 2023، لم يتبق للمحطة سوى حوض تبريد ينخفض منسوبه تدريجياً.

وقد أنشأ المسيطرون على الموقع سداً مؤقتاً، ونصبوا مضخات لنقل المياه، إلا أن مستوى المياه يواصل الانخفاض.

والذين يعيشون على ضفاف دجلة والفرات لا يحتاجون إلى شرح معنى أن تقل المياه عاماً بعد آخر، كما أن السد المؤقت لا يمثل حلاً للسؤال الحقيقي.

ويضاف إلى ذلك أن خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدوا في يناير/كانون الثاني من هذا العام وجود تسربات طويلة الأمد لمياه تحتوي على البورون في الوحدة الأولى من المفاعل، فيما اعتُبرت أعمال إصلاحها مستحيلة في ظل الظروف الحالية.

كما أن أعمال الصيانة الدورية لمعدات المحطة لم تُنفذ عملياً منذ عدة سنوات.

العاملون

تُدار المحطة من قبل مهندسين أوكرانيين كانوا يعملون فيها قبل الحرب.

لكنهم يؤدون وظائفهم تحت ضغط رجال يحملون السلاح. كما أن بعض العاملين محتجزون.

وتتمثل إحدى الركائز السبع للسلامة النووية التي حددها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في مبدأ بسيط: يجب أن يتمكن العاملون في المحطة من أداء واجباتهم واتخاذ القرارات بعيداً عن أي ضغوط غير مبررة.

فلا شيء في محطة نووية أكثر خطورة من مشغل يخشى أن يقول: لا.

ما الذي تراه الوكالة الدولية للطاقة الذرية — وما الذي لا تراه؟

يتمركز خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصورة دائمة في محطة زابوريجيا منذ سبتمبر/أيلول 2022.

وهذا أمر غير مسبوق؛ فلم يسبق أن أقام مفتشون دوليون في محطة نووية تقع داخل منطقة حرب.

وقد تناوبت الفرق أكثر من 30 مرة، وبفضل وجودها أصبح العالم يعرف شيئاً عن الوضع داخل المحطة.

لكن الوكالة لا تعرف كل شيء.

فالاتصال بين الخبراء والعاملين في المحطة محدود، كما يُمنع الخبراء من الوصول إلى عدد من المناطق، من بينها الأجزاء الغربية من قاعات التوربينات، حيث توجد مركبات عسكرية، إضافة إلى مستودع الوقود.

وفي نهاية مايو/أيار من هذا العام، فقدت المحطة الاتصال بالعالم الخارجي بالكامل لمدة 12 ساعة، بما في ذلك الاتصال بخبراء الوكالة.

ووصف غروسي ذلك بأنه تهديد خطير للسلامة النووية؛ فالمحطة التي لا تستطيع الاتصال بالجهة الرقابية عليها هي محطة قد لا تجد، في اللحظة الحرجة، من تلجأ إليه للحصول على المشورة.

وهنا أود أن أطلب من القارئ العراقي شيئاً بسيطاً.

في الأسابيع المقبلة، ستسمعون الكثير من الروايات بشأن محطة زابوريجيا، سواء من الجانب الروسي أو الجانب الأوكراني.

طبّقوا قاعدة واحدة على الجميع: ميّزوا بين ما أثبتته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنفسها، وما نُقل إليها من الآخرين.

فعندما يقول تقرير للوكالة إن «الوكالة أُبلغت» أو إن الأمر «أُفيد به»، فهذا يعني تحديداً أن شخصاً ما قال شيئاً، وأن الوكالة نقلته بحسن نية من دون أن تتمكن من التحقق منه.

الموقف الأوكراني واضح: هذه محطتنا، وهذه أرضنا، ويعيش شعبنا على الجانب الآخر من نهر دنيبرو في مواجهتها، ونحن لا نستهدف محطات الطاقة النووية.

لكنني لا أطلب منكم أن تصدقوا كلامي.

بل أطلب منكم تطبيق المعيار نفسه على الجميع، بمن فيهم أنا: انظروا إلى ما أثبتته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنفسها.

ماذا يطلب القرار؟

من 14 إلى 18 سبتمبر/أيلول، يعقد المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية اجتماعاته في فيينا.

وهو أعلى هيئة في الوكالة، حيث يجلس العراق وأوكرانيا كدولتين عضوين متساويتين.

وتطرح أوكرانيا مشروع قرار بعنوان: «السلامة والأمن والضمانات النووية في أوكرانيا».

ماذا يطلب القرار؟

ينص على ضرورة إعادة المحطة إلى سيطرة السلطات الأوكرانية الشرعية والجهة الرقابية الشرعية، وخروج الجنود الذين لا ينبغي أن يكون لهم وجود داخل منشأة نووية، وضمان حصول خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على وصول كامل إلى الموقع، والإفراج عن العاملين المحتجزين.

كما ينص على استمرار بعثات الوكالة وإبلاغ الدول الأعضاء بالمخاطر، بما في ذلك المخاطر التي تهدد إمدادات الكهرباء للمحطة.

ولا يعرقل القرار أي جهود لتحقيق السلام، ولا يتعارض معها.

كما أنه ليس تصويتاً على الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه التسوية السياسية للحرب.

إنه تصويت على خط أحمر يجب ألا يتم تجاوزه حتى في زمن الحرب: محطة الطاقة النووية لا يمكن أن تكون هدفاً عسكرياً، أو رهينة، أو ورقة للمساومة.

لماذا يهم هذا العراق؟

لأن الإشعاع لا يطلب الإذن لعبور الحدود.

لقد تعلمت البشرية ذلك عام 1986، عندما انتشرت سحابة تشيرنوبيل فوق نصف القارة.

وتشيرنوبيل، بالمناسبة، تقع أيضاً في أوكرانيا. وخلال العام والنصف الماضيين، تعرضت لهجمات بطائرات مسيرة مرتين؛ ففي فبراير/شباط 2025 تضرر الغطاء الواقي الجديد فوق المفاعل المدمر، وفي يونيو/حزيران من هذا العام تعرضت منشأة تخزين الوقود المستهلك لضربة.

لقد دفع العالم ثمن تشيرنوبيل مرة واحدة.

ويجب ألا تكون هناك مرة ثانية — في أي مكان.

وهناك سبب آخر يجعل الأمر مهماً للعراق: إنها سابقة خطيرة على المحك.

فاليوم، هناك محطة أوكرانية جرى الاستيلاء عليها.

وإذا قبل العالم بأن محطة نووية يمكن أن تُحتل من قبل قوات عسكرية، وأن تُترك لسنوات من دون صيانة مناسبة، وأن تُستخدم كورقة للمساومة في المفاوضات، فإن هذه القاعدة قد تنطبق غداً على أي محطة في أي دولة.

كل دولة تمتلك منشآت نووية سلمية، أو تخطط لإنشائها لأغراض الطاقة أو البحث العلمي أو الطب، لديها مصلحة مباشرة في منع حدوث ذلك.

إن الأرض التي منحت العالم أولى قوانينه المكتوبة تعرف أكثر من غيرها أن القانون لا تكون له قيمة إلا عندما يُطبَّق على الجميع بالتساوي.

وهذا هو الأمر الذي سيُحسم في فيينا خلال سبتمبر/أيلول.

وتأمل أوكرانيا أن يكون صوت العراق واحداً من الأصوات التي تقول:

يجب أن تبقى هذه القاعدة قائمة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon