مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP31).. فرصة يمکن لإقليم كوردستان أن يحسن استثمارها

مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP31).. فرصة يمکن لإقليم كوردستان أن يحسن استثمارها

سيبان عبدالسلام برواري

2026-08-29T18:49:13+00:00

يجتمع ممثلو دول العالم في أنطاليا، خلال شهر تشرين الثاني من هذا العام، للمشاركة في الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP31). وكما جرت العادة في هذه المؤتمرات، ستدور النقاشات حول ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، وانبعاثات الغازات السامة، والتمويل المناخي، والوسائل التي تمكّن الدول والمجتمعات من التكيف مع آثار التغير المناخي.

قد يبدو المؤتمر، لمن ينظر إليه من بعيد، اجتماعًا دوليًا آخر تكثر فيه الخطب والوثائق والوعود. لكن الأمر بالنسبة إلى العراق وإقليم كوردستان أبعد ما يكون عن نقاش نظري أو قضية مؤجلة. فتغير المناخ لم يعد احتمالًا ننتظره في المستقبل، بل أصبح جزءًا من الواقع الذي نعيشه كل يوم.

فقد اصبحت فصول الصيف أطول وأكثر حرارة، وفقدت الأمطار انتظامها الذي عرفناه في السابق، فيما تتكرر سنوات الجفاف على فترات أقصر. وتحول شح المياه في مناطق كثيرة إلى مصدر قلق مباشر، وأصبحت العواصف الترابية أكثر حضورًا، بينما يواجه القطاع الزراعي، الذي يرتبط مصيره بالمياه والطقس، ضغوطًا متزايدة تهدد استمراره.

ولا تقتصر آثار هذه التحولات على البيئة. فعندما تقل المياه، يتراجع الإنتاج الزراعي، ثم ينتقل الأثر إلى أسعار الغذاء ودخل الأسر وحركة النزوح من الريف إلى المدن. وتضع موجات الحر صحة السكان وشبكة الكهرباء تحت ضغط شديد، في حين يمكن للأمطار غير المنتظمة والفيضانات أن تلحق أضرارًا كبيرة بالمدن والبنى التحتية. لهذا فإن الحديث عن تغير المناخ هو، في جوهره، حديث عن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي لإقليم كوردستان.

من وضع الخطط إلى التنفيذ

بدأ إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية بوضع بعض الأسس المؤسسية اللازمة للتعامل مع هذه التحولات. وكان إنشاء وحدة تغير المناخ المرتبطة بمكتب رئيس حكومة الإقليم خطوة مهمة، لأنها تعكس انتقال الملف من نطاق العمل البيئي المحدود إلى مستوى السياسات الحكومية التي تتقاطع فيها مسؤوليات وزارات ومؤسسات عديدة.

وفي الوقت نفسه، عملت هيئة حماية وتحسين البيئة في الإقليم مع عدد من المؤسسات الدولية. ومن بين الجهود المهمة في هذا المجال التعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لإعداد خطط التكيف مع تغير المناخ والحد من أسبابه.

وجود الخطط ضروري، لكنه لا يكفي. فالوثيقة، مهما كانت جيدة الصياغة، لن تحدث تغييرًا فعليًا ما لم تدخل في صلب الموازنة والقرار الحكومي، ثم تتحول إلى مشاريع محددة على الأرض. والخطة الجادة هي التي تحدد المناطق والقطاعات الأكثر عرضة للمخاطر، وترتب الأولويات، وتبين مسؤولية كل مؤسسة. وهي أيضًا التي تمنح الإقليم موقفًا واضحًا حين يتحدث مع الشركاء الدوليين: ماذا نحتاج؟ وما المشاريع التي نريد تمويلها أو تنفيذها؟

من دون هذه الرؤية، قد تتوزع الجهود على مشاريع متفرقة، يكون بعضها مفيدًا في حد ذاته، لكنها لا تلتقي في نهاية الأمر ضمن سياسة متماسكة ذات أهداف واضحة.

التكيف والحد من الأسباب

يقوم العمل المناخي على مسارين متلازمين: التكيف مع الآثار القائمة، والحد من الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم تغير المناخ.

التكيف يعني أن نستعد للتحولات التي بدأت بالفعل. فإذا كانت المياه تتناقص، فلا بد من إدارتها بكفاءة أكبر. وإذا كانت موجات الجفاف تتكرر، فإن المزارع يحتاج إلى نظم ري حديثة، وبذور ملائمة، ودعم فني ومالي يساعده على الاستمرار. أما المدن، فعليها أن تراعي في التخطيط والبناء وشبكات تصريف مياه الأمطار وتوسيع المساحات الخضراء مخاطر الحرارة والفيضانات التي قد تتزايد في السنوات المقبلة.

أما الحد من الأسباب فيتعلق بخفض انبعاثات الغازات المضرة، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة. ويحتاج إقليم كوردستان إلى العمل على المسارين معًا؛ إذ لا يكفي أن نهيئ المياه والزراعة والمدن للتعامل مع الآثار الحالية، بينما نواصل في الوقت نفسه زيادة العوامل التي عمّقت المشكلة من الأساس.

ولا يمكن تطبيق مثل هذه السياسات من دون تعاون حقيقي بين المؤسسات. فالقرارات التي تتخذها وزارات الزراعة والموارد المائية والكهرباء والبلديات والصحة والنقل والتربية تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الإقليم على مواجهة تغير المناخ. وقد يبدو قرار يتعلق بتوسيع مدينة، أو بطريقة استخدام المياه، أو بإقامة مشروع جديد، قرارًا إداريًا عاديًا، لكن آثاره قد تبقى لعقود.

كما أن السياسة المناخية لا تؤتي ثمارها خلال سنة أو سنتين، بل تحتاج إلى استمرارية لا تتأثر بتغير الحكومات أو تبدل المسؤولين. وإذا لم تتحول الخبرات والمشاريع إلى عمل مؤسسي مستقر، فسنفقد مع كل تغيير جزءًا مما أُنجز، ونعود مرة أخرى إلى نقطة البداية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يبقى العمل محصورًا داخل الحكومة. فالجامعات والمدارس والبلديات والشركات والقطاع الخاص والمزارعون والباحثون ومنظمات المجتمع المدني، جميعهم معنيون به. وقد تناولت في مقال سابق عن المدارس الخضراء قدرة المدرسة على تغيير وعي الجيل الجديد وسلوكه تجاه البيئة. وهي صورة مصغرة للدور الذي تستطيع مؤسسات المجتمع أن تؤديه في هذا المجال.

كيف يستعد الإقليم لمؤتمر COP31؟

وفقًا لما أُعلن، سيشارك إقليم كوردستان في مؤتمر COP31 بوفد خاص. إرسال الوفد خطوة جيدة، لكنه ليس إنجازًا بحد ذاته. ما يحدد قيمة المشاركة هو ما سيحمله الإقليم إلى أنطاليا، وما سيعود به منها. إذا اقتصرت المشاركة على حضور الاجتماعات والتقاط الصور والنشاط الإعلامي، فلن تترك أثرًا يذكر. أما إذا استُخدمت لبناء صلات مع صناديق تمويل المناخ والمؤسسات المعنية، والحصول على دعم فني، وإطلاق مشاريع مشتركة، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الإقليم، فستكون عندئذ مشاركة ذات قيمة حقيقية.

لكن هذه الفرص لا تظهر تلقائيًا أثناء المؤتمر، بل تحتاج إلى إعداد مسبق. يجب أن نعرف قبل الذهاب أي المشاريع أصبحت جاهزة للعرض، وفي أي المجالات نحتاج إلى المساعدة، ومن هي المؤسسات الدولية التي يمكن أن تشاركنا العمل. فالوفد الذي يتحدث بصورة عامة عن المشكلات لن يحصل على الكثير، أما الوفد الذي يحمل معه البيانات والأولويات ومشاريع قابلة للتنفيذ، فيستطيع أن يحول اللقاءات إلى شراكات عملية. يمثل COP31 أيضًا فرصة للتعريف بإقليم كوردستان، ليس بوصفه منطقة تتضرر من تغير المناخ فحسب، بل منطقة بدأت اتخاذ خطوات عملية، ولديها مشاريع واستعداد للمساهمة في الحلول.

لقد وضع الإقليم بعض الأسس، غير أن التقدم لا يُقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات المكتوبة. يشعر الناس بالتغيير حين تتحسن إدارة المياه، ويتمكن المزارع من الصمود أمام الجفاف، وتصبح المدن أكثر استعدادًا لموجات الحر والفيضانات، ويتوسع استخدام الطاقة النظيفة.لهذا لا ينبغي التعامل مع COP31 باعتباره مؤتمرًا دوليًا آخر. يمكن لهذا الحدث أن يساعد إقليم كوردستان على الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، وأن يجمع المشاريع المتفرقة ضمن سياسة متكاملة. لقد وُضع جزء من الأساس، وما نحتاج إليه الآن هو أن تظهر نتائج العمل على الأرض، لا أن تبقى حبيسة الوثائق والتصريحات.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon