أقوى من الموت.. المرأة الجبل وقيامة الروح البارزانية
فينوس بابان
الجبلُ حينَ يمتصُ الصدمة ولا يسقط
في الجغرافيا الكردية والعراقية، لا تُقاس الجبال بارتفاعها عن سطح البحر فحسب، بل بقدرتها على امتصاص فؤوس التاريخ ودسائس المحو دون أن تنحني. وفي 31 تموز (يوليو) عام 1983، لم تكن الشاحنات العسكرية المقفلة التي حاصرت المجمعات القسرية في (قشتيبة، بحركة، حرير، وقسروك) مجرد وسيلة لنقل العُزّل، بل كانت أداةً لهندسة محوٍ جينوسياسي استهدف اقتلاع شجرة "بارزان" الضاربة في عمق تاريخ النضال الوطني.
إن جريمة تغييب 8,000 إنسان بارزاني (من صبيةٍ بعمر التاسعة إلى شيوخٍ بعمر السبعين) لم تكن مجرد حادثة انتقام عابر، بل كانت النموذج التجريبي الأول منظومة الإبادة البعثية أو ماكينة الإبادة والتي تم اختبار جدران الصمت الدولي حولها قبل توسيعها لاحقاً في عمليات الأنفال الكبرى واستخدام السلاح الكيماوي في حلبجة، لكن ما غفل عنه مهندسو المقابر الجماعية في صحاري المثنى وبحر النجف هو أن استئصال الذكور من أمة لا يعني إعدام روحها، بل يعني انتقال العرش الأخلاقي والنضالي فوراً إلى صلب المرأة البارزانية التي تحولت من شاهدة على الجريمة إلى صانعةٍ للقيامة.
هندسة المحو، نهج القيادة، ورمزية المرأة الجبل
تصريحات القيادة.. مواقف استراتيجية ورسائل حماية للوجود
إن استذكار هذه الفاجعة سنوياً من قبل قادة إقليم كوردستان والعراق ليس مجرد طقسٍ عاطفي بل هو خطاب سياسي وأخلاقي استراتيجي يوجه المستقبل:
الرئيس مسعود بارزاني (عقيدة الصمود والتحدي).. ينطلق الرئيس بارزاني في كلماته ومواقفه من مدرسة تعتبر أن دماء الشهداء هي الضمانة الوحيدة لحفظ الكرامة، تحول الخطاب البارزاني تحت قيادته من حزن الضحية إلى إرادة البناء، فلم تكن الفاجعة يوماً سبباً للانكسار بل كانت الوقود لتأسيس تجربة كوردستانية حديثة وقوية تحمي أبناءها من تكرار المآسي.
السيد نيجيرفان بارزاني والسيد مسرور بارزاني (خارطة الحقوق والتنمية).. يشكل خطابهما سنوياً ارتكازاً قانونياً وسياسياً يطالب الدولة العراقية والمجتمع الدولي بتحمل المسؤوليات القانونية والمادية وتحويل ملف الإبادة إلى مبدأ أساسي لمنع التهميش ولضمان حماية الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان ككيان اتحادي يصون كرامة شعبه.
وزير البيشمركة السيد شورش إسماعيل (العقيدة القتالية وحماية المكتسبات).. يؤكد وزير البيشمركة في تصريحاته واستذكاره لهذه الفاجعة أن المحاولات التاريخية لكسر إرادة التحرر الوطنية قد فشلت أمام صمود شعبنا مشدداً على أن التضحية الجسام لـ ثمانية آلاف بارزاني هي التي أرسخت العقيدة الدفاعية والوطنية لقوات البيشمركة اليوم، لتغدو المؤسسة العسكرية درعاً حصيناً يمنع تكرار صور الإبادة ويضمن حماية حدود الإقليم ومكتسباته الفيدرالية والدستورية.
القادة والقوى الوطنية في بغداد.. يمثل استذكار القوى والقيادات الوطنية في بغداد لهذه المناسبة ترسيخاً لـ وحدة الجرح العراقي، فهو يربط بين مظلومية البارزانيين وضحايا المقابر الجماعية والإعدامات السياسية في الوسط والجنوب ليكون هذا الدم المشترك والدستور الجامع حائط صدٍّ منيعاً ضد عودة الشمولية أو استبداد السلطة.
المرأة البارزانية.. من مأساة الثكل إلى إعادة بناء الأمة
إذا كان الرجال قد اقتيدوا إلى الموت في الصمت ودفنوا في صحاري الجنوب لترتبط أجسادهم بالتراب العراقي من أربيل إلى المثنى فإن النساء البارزانيات خضن حرباً أكثر شراسة ضد الفناء والتلاشي، في ليلة وضحاها وجدت المرأة البارزانية نفسها بلا عائل، بلا سند مالي وتحت حصار أمني واقتصادي واجتماعي خنق كل أشكال الحياة. المرأة البارزانية لم تكن مجرد ضحية تنتظر الشفقة، بل كانت المؤسسة البديلة والحامية للذاكرة والأب البديل.
البناء من تحت الركام.. أدارت الأمهات والمُثكولات شؤون المجتمعات القسرية بأيديهن المجرّدة اشتغلن في أشد المهن قسوة لتربية جيل جديد وعصمن العائلات من الضياع والتشرد.
حراسة الذاكرة الهوية.. حافظت المرأة البارزانية على اللسان والثقافة وقيم الكرامة البارزانية وغرست في الأطفال الذين كبروا بلا آباء أن وجودهم ونجاحهم هو الرد الوحيد والأقوى على آلة المحو.
تفعيل القانون والدستور العراقي (المادة 132)
إن قوة الاستذكار تكتمل باستحقاق دستوري ملزم يُعطي الضحايا وذويهم حقهم المكفول قانوناً.
تنص المادة (132 / أولاً وثانياً) من الدستور العراقي الدائم لعام 2005 صراحةً على:
تكفل الدولة رعاية أسر شهداء الجرائم الإرهابية، وشهداء النظام البائد، والمصابين بسببهما، وتكفل الدولة تعويضهم.
آليات الإنصاف الدستورية الواجبة:
التعويض المادي والمعنوي الشامل.. إقرار تخصيصات مالية ملزمة في الموازنات الاتحادية لتعويض العائلات التي فقدت معيليها ورُملت نساؤها لستة عقود.
جبر الضرر الاجتماعي والاقتصادي.. ضخ استثمارات مستدامة في البنية التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية في منطقة بارزان والمناطق التي احتضنت التهجير القسري.
التدويل والمناهج الدراسية.. إدراج جريمة إبادة البارزانيين (إلى جانب الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية في الجنوب) في المناهج التعليمية كجرائم ضد الإنسانية لترسيخ الذاكرة الوطنية الجامعة.
الجبل الذي يُزهر مجدداً
إن تاريخ الأمم لا يُكتب فقط بانتصاراتها العسكرية بل يُكتب بمدى قدرتها على نهوضها من رماد الإبادة لقد أراد النظام الدكتاتوري في عام 1983 أن يجعل من بارزان عبرة للخراب ودفناً للإرادة فإذا بذات العوائل التي رُمّلت وأُثكلت وبفضل حكمة القيادة وصمود الأمهات، تخرّج قادة وعلماء ومهندسين وبناةً لإقليم كوردستان ولعراقٍ جديد قائم على الفيدرالية والشراكة.
إن جريمة إبادة البارزانيين هي جرحٌ في جدار الضمير الإنساني والعراقي، وإعطاء هذه الفاجعة حقها يكون بالتأكيد على رسائل القيادة الاستراتيجية وإنصاف أمهات الجبل قانونياً عبر المادة (132) وترسيخ دولة المواطنة التي لا تسمح لظل الدكتاتورية أن يمتد مجدداً فوق أي شبر من هذه الأرض، لقد غاب ثمانية آلاف رجل.. ولكن الجبل بقي واقفاً لأن قيادته حافظت على البوصة ونِساءه أتقنّ حراسة الروح.