عودة المسيحيين إلى العراق.. دعوة مشروعة تبدأ بحماية من بقي
ريفان الحكيم
في كل مرة تتجدد فيها الدعوات الرسمية لعودة المسيحيين العراقيين الذين غادروا البلاد خلال العقود الماضية، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن إقناع من هاجر بالعودة، فيما لا يزال من بقي يواجه تحديات وجودية تمس أمنه واستقراره ومستقبله؟
إن دعوات رئيس الوزراء العراقي لعودة المسيحيين تستحق التقدير من حيث المبدأ، لأنها تعكس اعترافًا بأهمية هذا المكون الأصيل في تاريخ العراق وهويته الحضارية. غير أن هذه الدعوات لن تحقق أهدافها ما لم تتحول إلى مشروع وطني متكامل يعالج الأسباب التي دفعت مئات الآلاف إلى مغادرة وطنهم، ويضمن في الوقت نفسه حياة كريمة وآمنة لمن لا يزال متمسكًا بأرضه.
لقد دفع المسيحيون العراقيون ثمنًا باهظًا بسبب الحروب والإرهاب والانفلات الأمني، فضلاً عن التهميش الإداري والاقتصادي، حتى تقلص عددهم بشكل غير مسبوق. واليوم، لا تزال قرى وبلدات مسيحية عديدة تعاني من نقص الخدمات وفرص العمل، وتعقيدات تتعلق بحقوق الملكية والاستثمار، إلى جانب هواجس أمنية تدفع الكثير من الشباب إلى التفكير بالهجرة باعتبارها الخيار الوحيد لبناء مستقبلهم.
إن الحفاظ على الوجود المسيحي لا يتحقق بالشعارات ولا بالمؤتمرات، بل يبدأ بضمان حقوق المواطنة الكاملة، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، وإطلاق مشاريع تنموية حقيقية في مناطقهم، وخلق فرص عمل للشباب، وإعادة إعمار ما تضرر، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. فهذه هي الرسائل التي يمكن أن تقنع المهاجر بأن العراق تغير بالفعل، وأن العودة ليست مغامرة مجهولة.
ومن المؤسف أن قضية المسيحيين كثيرًا ما تتحول إلى مادة للمزايدات السياسية، فتُستحضر في مواسم الانتخابات، أو في سباقات المناصب، أو في المؤتمرات والندوات التي تنتهي بياناتها بانتهاء فعالياتها، بينما تبقى معاناة الناس على حالها. إن المسيحيين ليسوا ورقة تفاوض، ولا وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، بل هم مواطنون عراقيون أصيلون، لهم ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم.
إن الأولوية اليوم يجب أن تكون لحماية من بقي، قبل الحديث عن إعادة من رحل. فنجاح الدولة في وقف نزيف الهجرة، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للمسيحيين المقيمين في العراق، سيكون أقوى رسالة يمكن أن تصل إلى أبناء الجاليات العراقية في الخارج، مفادها أن وطنهم أصبح قادرًا على احتضانهم من جديد.
العراق الذي يفتخر بتاريخه لا يكتمل إلا بجميع مكوناته. فالمسيحيون لم يكونوا يومًا ضيوفًا على هذه الأرض، بل كانوا شركاء في بناء حضارتها، وأسهموا في نهضتها العلمية والثقافية والاقتصادية. والحفاظ على هذا الإرث ليس مسؤولية المسيحيين وحدهم، بل مسؤولية الدولة والمجتمع بكل مؤسساته.
إن دعوات العودة ستبقى ناقصة ما لم تُترجم إلى خطوات عملية يلمسها المواطن على أرض الواقع. فحين يشعر المسيحي الذي يعيش في العراق اليوم بالأمان والعدالة والكرامة، عندها فقط ستصبح دعوات العودة أكثر من مجرد خطاب سياسي، وستتحول إلى مشروع وطني يعيد الثقة بوطنٍ يتسع لجميع أبنائه، دون استثناء