عودة الغول الأمريكي..

عودة الغول الأمريكي..

زيد شحاثة

2026-01-05T08:17:50+00:00

قد يبدو "العمل الهوليوودي" لإعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، مفاجئا وغير متوقع لكثير من المحللين، لكن نظرة عميقة وتحليلية فاهمة، لنتائج الصراع الإقتصادي بين أمريكا والصين، وأحداث 7 أكتوبر وما تلاها من حرب إبادة على غزة، تجعل ما حصل في فنزويلا، حدثا متوقعا، بل وتأخر اكثر مما يجب!

الولايات المتحدة لم تعد قادرة، على إخفاء عدم قدرتها على إيقاف تفوق التنين الصيني إقتصاديا، ومسألة تفوقه وكونه الدولة الأكبر إقتصاديا ستكون مسألة وقت لا أكثر.. بالتالي كانت كل محاولاتها تنصب حول، عرقلة وتأخير وتصعيب ذلك على الصين، والسعي بكل قوة لمنع دول العالم من الإنضمام، للمحور الاقتصادي الجديد، بشتى الطرق والوسائل، ونجحت مع دول لكنها فشلت مع دول أكثر..

أمريكا كانت تملك ميزتين جعلتاها تقود العالم، هما حجم ودرجة التحكم الاقتصادي الهائل، وقوتها وتفوقها العسكري والتكنلوجي الكبير جدا.. ونتيجة لتأكل الأول تدريجيا وظهور قوى إقتصادية جديدة، وظهور تجمعات إقتصادية قد تكون منافسا ندا لها، وتهديد الصين الخطير لها جعل ميزتها الأولى والأهم تكاد تفقد قيمتها وتأثيرها..

من جانب أخر، كان لعملية السابع من أكتوبر تأثير مدمر وهائل، على صورة أمريكا كقوة تنفرد بحكم العالم، ولا يفوتها شيء أو حدث أو تحرك إلا وتعلمه أجهزة مخابراتها، وأن " الكيان الإسرائيلي" هو دولة منيعة لا يمكن الإضرار بها، لا لقوة ذاتية تملكها، بل لأنها محمية أمريكية.. وهذا جعل صورة " الغول الأمريكي" تهتز بشدة..

تبعا لهذه النتائج المتتابعة، صار لزاما على أمريكا أن تفعل شيئا ما لتستعيد " هيبتها" وتؤكد أنها لازالت الدولة الأولى في العالم، وهو أمر سبقتها إليه "إسرائيل" حيث حاولت إستعادة معادلة الردع مع جيرانها وخصومها، بل وحتى مع حلفاها أو المطبعين معها، ولم يكن لديها وسيلة لذلك سوى الوحشية المفرطة والأرض المحروقة، ونزع وجه الحمل الوديع وإظهار وجه الوحش الحقيقي.. وقد حققت نجاحا في ذلك، فأعادت شيئا من الخوف في قلوب الأخرين..

خيارات أمريكا لم تكن كثيرة، فهناك كوريا الشمالية وإيران وكوبا وفنزويلا، بإستبعاد روسيا والصين اللتان لا تفكر أمريكا في محاربتهما مباشرة، لأسباب لا تحتاج لشرح.. فأما كوريا الشمالية فتملك أسلحة نووية ورئيسا "مجنونا" وإيران ليست خصما يسهل محاربته، وتجربة حرب الأثني عشر يوما أثبتت ذلك، ناهيك عن أن النظام متماسك داخليا كمؤسسات حكم وقوى أمن، ويحظى بدعم قطاعات ليست قليلة من الشعب، رغم كل المشاكل الاقتصادية التي يعانيها المجتمع.. 

هذا جعل الخيارات محصورة بين كوبا وفنزويلا، فكان الخيار للأخيرة لأن العملية فيها أسهل والحكم فيها هش، وهناك معارضة تؤيد التدخل الخارجي، ناهيك عن حملة إعلامية ضخمة ومستمرة منذ فترة، لتثبيت تهمة تصدير المخدرات للولايات المتحدة، وتنفيذ عمليات صغيرة لضرب قوارب بحجة تهريبها للمخدرات، مما "أطر" الرأي العام داخل أمريكا والعالم، وهيئه لتقبل صورة فنزويلا كحكم مجرم وخارج عن القانون، ومهرب للمخدرات وطبعا مستبد..

الكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإستبداد الحكام وظلم الشعوب، وضرورة منح الناس حرية التعبير، والدفاع عن الأمن القومي لأمريكا وحماية مصالحها وحلفائها، كلها سلع لم تعد تلقى رواجا كثيرا، ولن تجد لها قبولا حقيقيا.. لأن العالم ودوله بات يعرف، أن ما جرى هو محاولة أمريكية لإرسال رسالة، مفادها أننا كدولة مستعدون أن فعل كل شي لتحقيق مصالحنا، وأننا دولة فوق القانون الدولي الذي نحن نزعم أننا نحميه وندعمه، ولا زلنا ذلك " الغول" نفسه..

واضح واقعيا، أن أمريكا دولة لازالت تتحكم بالعالم، لا بقيمها، بل بقوتها الغاشمة لكننا يجب ألا ننسى أنها ليست إلها..

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon