11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

شهادة من بيت السيد السيستاني.. حيث يتجسد الزهد والتواضع

شهادة من بيت السيد السيستاني.. حيث يتجسد الزهد والتواضع

قاسم الكعبي

2026-07-17T09:29:50+00:00

هناك أماكن لا تقاس بمساحتها، بل بما تحمله من قيم ومعانٍ، وهناك رجال يتركون أثرهم في القلوب قبل أن تلتقيهم الأبصار. كانت زيارتي إلى منزل المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله) واحدة من تلك اللحظات التي يصعب أن تنساها الذاكرة.

حين وطئت قدماي ذلك الزقاق المؤدي إلى منزل المرجع، شعرت أنني لا أعبر طريقًا عاديًا، بل أسير في مكانٍ تختزن جدرانه حكاياتٌ من الزهد والعبادة. كان الزقاق قديمًا، وتعلوه ملامح الزمن، فيما بدت الأبواب الخشبية العتيقة وقد حفرت السنون على ألواحها تشققاتها، لكنها بقيت شامخة، وكأنها شاهدة على عقودٍ من البساطة التي اختارها صاحب هذا المنزل.

وفي تلك اللحظات، خُيّل إليّ أن هذه الجدران قد تشبعت بعلم المرجع وزهده، وأنها حفظت بين جنباتها سنواتٍ طويلة من الذكر والدعاء. وخُيّل إليّ أيضًا أنها ما زالت تنصت، في سكون الليل، إلى صوت تلاوة القرآن الكريم وهو يملأ المكان طمأنينةً وسكينة.

هناك أدركت أن عظمة المكان لا تُقاس باتساعه ولا بفخامة بنائه، بل بما احتضنه من قيم الإيمان والتواضع وخدمة الناس. فكل شيء في ذلك الزقاق يروي، بصمتٍ بليغ، قصة رجلٍ اختار أن تبقى حياته كما عرفها الناس؛ بسيطة، متواضعة، وقريبة من القلوب.

وبمجرد وصولي إلى شارع الرسول، شدّ انتباهي مشهدٌ استثنائي. طوابير طويلة امتدت على جانبي الشارع، ضمت ما يقارب ألف شخص، تتجه أنظارهم جميعًا نحو ذلك الزقاق الذي لا يتجاوز عرضه ثلاثة أمتار، حيث يقع منزل المرجع الديني الأعلى.

ورغم كثرة الأعداد، كان الهدوء يخيم على المكان بصورة لافتة، وكأن الجميع يدرك قدسية اللحظة. بعض المنتظرين كانوا يحملون باجات تحمل أرقامًا، فيما وقف آخرون من دون باجات، جميعهم يرتدون السواد وينتظرون دورهم للدخول.

أما أكثر ما استوقفني، فكان مشهد النساء. كانت الدموع تنهمر من أعين بعضهن بصمت، حتى خُيّل إليّ أن الدموع هي التي تتحدث نيابة عن الكلمات. وكانت إحداهن تردد لكل من يُكتب له الدخول:

“إذا تشرفت بلقاء سماحة السيد، فأبلغه احترامنا وتقديرنا وشوقنا الكبير لرؤيته.”

كانت إجراءات الدخول منظمة، والجميع ملتزمًا بالتعليمات الأمنية. وبعد إكمال التفتيش، دخلنا إلى غرفة انتظار تبلغ مساحتها نحو أربعة أمتار في أربعة، جلسنا فيها على الأرض فوق فرش بسيطة ومنظمة، وكان عدد الجالسين يتجاوز خمسين شخصًا، قدموا من محافظات عراقية مختلفة، ومن خارج العراق أيضًا، وكلهم ينتظرون لحظة التشرف بلقاء المرجع الأعلى.

وحين حان دورنا، دخلنا إلى غرفة الاستقبال.

كان سماحة السيد علي السيستاني يجلس في زاوية الغرفة بكل بساطة، وإلى جانبه نجله المرجع الديني السيد محمد رضا السيستاني، إضافة إلى أحد رجال الدين.

بعد إلقاء السلام، جلسنا على مقاعد خشبية بسيطة، فيما جلس سماحة السيد على مقعد خشبي مماثل، في صورة جسدت معنى الزهد والتواضع بعيدًا عن أي مظهر من مظاهر التكلف.

كانت أنظار الحاضرين جميعًا تتجه نحوه، وما إن قال بصوته الهادئ:

“أهلًا وسهلًا يا أبنائي.”

حتى غلب التأثر على عدد من الحاضرين، وانهمرت الدموع من أعينهم، تعبيرًا عن محبتهم واحترامهم وفرحتهم بلقاء مرجعهم.

وخلال اللقاء، رفع سماحة السيد يديه بالدعاء إلى الله تعالى، داعيًا أن يحفظ العراق، والأمة الإسلامية، وجميع شعوب العالم، وأن يعم السلام والأمان في الأرض.

وقبل انتهاء الزيارة، تقدم أربعة أطفال؛ ثلاثة أولاد وطفلة ترتدي العباءة الإسلامية، لا تتجاوز أعمارهم سبع سنوات، نحو المرجع الأعلى، فابتسم لهم ودعا أن يحفظهم الله، ويمنّ عليهم بالصحة والعافية، ويبارك في حياتهم، ويقيهم كل مكروه.

وعند مغادرتنا غرفة اللقاء، كان السيد محمد رضا السيستاني يقف مودعًا الزائرين القادمين من داخل العراق وخارجه بكل ترحاب.

لكن المشهد الحقيقي لم يكن داخل المنزل فقط، بل كان خارجه أيضًا.

فما إن خرجت حتى التف حولي عدد ممن لم يحالفهم الحظ بالدخول، وتوالت الأسئلة:

“هل سلمت على سماحة السيد؟”

“هل تحدث معكم؟”

“هل دعا لنا؟”

كانت كلماتهم ممزوجة بالحزن، وكانت الدموع تسبق أصوات بعضهم، لأنهم لم يتمكنوا من رؤية مرجعهم.

قال أحدهم بصوت هادئ:

“لعلها تكون في المرة القادمة… أحظى برؤية مرجعي، وأتشرف بالدعاء منه لي ولعائلتي.”

وطلب مني أن أحدثه بكل كلمة قالها المرجع خلال اللقاء.

وقال رجل آخر:

“قدمت من مدينة السماوة خصيصًا لألتقي سماحة السيد، لكن للأسف لم أوفق برؤيته. عائلتي تنتظر عودتي لتسمع مني كلمات أسمعها مباشرة من لسان مرجعنا.”

ومع انتهاء وقت الزيارة، بقي عدد من الزائرين واقفين أمام الباب، يحدوهم الأمل بأن يُفتح مرة أخرى، لعلهم ينالون شرف اللقاء بمرجعهم.

وأنا أغادر ذلك الزقاق، شعرت أنني لم أخرج من مكانٍ عادي، بل خرجت من مدرسةٍ في الزهد والتواضع. بقيت صورة الأبواب الخشبية القديمة، والجدران العتيقة، والوجوه المترقبة، والدموع الصامتة، والدعاء الصادق، عالقة في ذاكرتي.

عدت وأنا أحمد الله تعالى على نعمة التشرف بلقاء المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، وحاملاً دعاءه المبارك بأن يحفظ الله العراق وأهله، والأمة الإسلامية، وجميع شعوب العالم، وأن يعم الأمن والسلام في الأرض.

ستبقى هذه الزيارة بالنسبة لي أكثر من لقاء؛ ستبقى درسًا حيًا في أن عظمة الرجال لا تُقاس بما يملكون، وإنما بما يزرعونه في قلوب الناس من محبة، وثقة، وأمل، وما يجسدونه في حياتهم من تواضع وزهد وإخلاص.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon