رموزٌ مستعارة وثقافةٌ مفروضة: عن العلم والشعار الجمهوري وشوارع العاصمة

رموزٌ مستعارة وثقافةٌ مفروضة: عن العلم والشعار الجمهوري وشوارع العاصمة

فارس حامد عبد الكريم

2026-09-04T21:51:08+00:00

علمُ العراق الحالي لم يكن في أصله إلا رايةً للحرس القومي ومشرعاً لوحدةٍ ثلاثية جمعت مصر وسوريا والعراق؛ غادرتها القاهرة ودمشق لاحقاً، بينما بقينَا نتمسك به!!!

وزيادةً في التكثيف الأيديولوجي، أُضيفت إليها "عبارة التكبير" بلمسةٍ شكلية من المجرم صدام حسين، في خطوةٍ تنطبق عليها تماماً المقولة الشهيرة:

"كلمةُ حقٍّ أُريدَ بها باطل".

ولم يقف الاستيراد الشكلي عند الراية؛ فشعارنا الجمهوري (العُقاب) ليس إلا رمزاً هيروغليفياً للحضارة المصرية ثم شعاراً على قلعة الملك صلاح الدين الايوبي

ثم رمزاً للوحدة القومية الناصرية السوزية أُقرَّ عام 1965.

هذا الطائر الذي يمتد بجذوره إلى عمق الحضارة المصرية والكتابة الهيروغليفية، وُضع مكابرةً على حساب "أسد بابل" الذي ينبض به تاريخ وادي الرافدين.

أولاً: مقارنة العلم العراقي والمصري في مرحلة التأسيس يتشابه علم العراق في عهد عبد السلام عارف (المعتمد عام 1963) مع علم مصر في عهد جمال عبد الناصر في الألوان الأساسية ومزاعم دلالات التحرر القومي، لكنهما يختلفان في عدد النجوم التي تتوسط الشريط الأبيض رمزاً للوحدة العربية:

* الألوان المشتركة: يتكون كلا العلمين من ثلاثة خطوط أفقية متساوية (الأحمر في الأعلى، الأبيض في الوسط، والأسود في الأسفل)، وهي مستمدة من ألوان التحرير العربي.

* الفارق في النجوم:

* علم العراق (1963): ضم ثلاث نجوم خضراء، ترمز إلى الوحدة الاتحادية المقترحة بين العراق ومصر وسوريا.

* علم مصر (الجمهورية العربية المتحدة): ضم نجمتين خضراوين، ترمزان إلى الإقليمين المتحدين (مصر وسوريا).

ثانياً: الأصول الهيروغليفية للشعار (العُقاب المصري) يرتبط الشعار الجمهوري الحالي لجمهورية مصر العربية (المعروف تاريخياً بنسر صلاح الدين) ارتباطاً وثيقاً بالحضارة المصرية القديمة؛ حيث إن الطائر المستخدم هو "العقاب المصري" (Egyptian Vulture) أو "الرخمة المصرية":

1. الرمزية الصوتية والتجريبية: في الهيروغليفية، اتخذ المصري القديم من "العقاب" علامة أحادية تمثل حرف الألف الممدودة (A). ورُسم كطائر يجلس برأس جانبي مميز. وجاءت الهمزة تجريداً من رأس الطائر ومنقاره، لتُرسم مائلة فوق عصا الألف (جسم الطائر).

2. دلالة السلطة: أُستخدم الطائر ليعبر عن مفاهيم "الحاكم" والسيادة؛ فكان تحليقه العالي وقوته دافعاً لربطه بقمة الهرم السياسي للدولة.

3. الحماية الملكية ("فراخ الفرعون"): ارتبط بالإلهة "نخبيت" (إلهة جنوب مصر)، والتي تجسدت في النقوش باسطة جناحيه للحماية الملكية. كما اعتبر القدماء طائر العقاب رمزاً للخلود والتحول من الموت إلى الحياة، نظراً لظاهرة تغذيه على الجيف وتحويل المادة الميتة إلى حية.

4. التأويل اللغوي ودلالة الحروف: من الأصل التصويري القديم للحرف الهيروغليفي، حيث يرمز الألف (رمز العُقاب) لمفاهيم الخلق والبداية.

5. التطور إلى الشعار الرسمي: أعيد إحياء هذا الرمز في العصر الإسلامي عندما اتخذه صلاح الدين الأيوبي شعاراً لدولته تعبيراً عن القوة، ومنه انتقل إلى العصر الحديث ليصبح الشعار الرسمي للجمهورية المصرية، رابطاً حاضرها بجذورها المكتوبة على المعابد.

ثالثاً: امتداد التغريب إلى ذاكرة المدينة يمتد هذا التغريب إلى جغرافية العاصمة؛ وشوارعنا ما زالت تُخلّد حقبة حزب البعث:

* شارع 14 رمضان: اسمٌ يرمز إلى الانقلاب الذي أطاح بعبد الكريم قاسم. فلماذا لا تعاد تسميته بإسم الضحية مثلاً.

* ساحة النسور: تسميةٌ أُطلقت لتخليد الطيار البعثي الذي استهدف مقر قاسم، وسقطت طائرته في ذلك الموقع قبل أن يهرب من غضب الأهالي.

هذه القراءة ليست تجريحاً أو انتقاماً، بل هي دعوةٌ مخلصة للوطنية الحقة التي تستوجب إعادة كتابة ذاكرتنا المكانية والرمزية من رحم حضارتنا الرافدينية والوطنية لا من أوهام الآخرين.

---

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon