حكمة القوة الهادئة: كيف يحول نيجيرفان بارزاني الانسداد السياسي إلى مساحة لقاء؟

حكمة القوة الهادئة: كيف يحول نيجيرفان بارزاني الانسداد السياسي إلى مساحة لقاء؟

فينوس بابان

2026-09-17T19:11:49+00:00

​في لحظة تاريخية حبلى بالتحديات الإقليمية والتحولات الجيو-سياسية المعقدة، يقف العراق وإقليم كوردستان عند مفترق طرق حاسم، إما الانزلاق نحو صراعات الصفرية والتفكك أو الشجاعة في هندسة عقد وطني جديد، من وسط هذه العاصفة يُثبت رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني مجدداً أنه صاحب المدرسة البراغماتية الأعمق والرجل الأكثر قدرة على صياغة التوازنات الصعبة، لم تكن جولته الأخيرة الممتدة بين السليمانية ودهوك مجرد حضور في محافل اقتصادية أو أكاديمية بل كانت مانيفستو سياسياً رفيع المستوى يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية ويعيد رسم خطوط الدفاع عن كيان الإقليم وسيادة العراق . 

​ فلسفة الثلاثية (أربيل - السليمانية - دهوك).. احتضان الجغرافيا والرمزية

​تتجلى عبقرية التحرك في الدلالة الجغرافية والسياسية المباشرة التي استهدفت أركان الكيان الكوردستاني:  

​السليمانية (العاصمة الثقافية والعمق السياسي).. فتح حوار التنمية والاستثمار من السليمانية يحمل رسالة حاسمة بكسر الجمود والتخندق الحزبي وتأكيد أن السليمانية هي الرئة الشريكة لأربيل وأن اقتصاد إقليم كوردستان لا يجتبى أو يتجزأ.  

​دهوك (قلب الثقل الجماهيري).. التواجد بين شريحة الشباب والأكاديميين في الجامعة الأمريكية بدهوك هو ربط استراتيجي بين الأصالة والمستقبل وتأكيد على أن بناء الدولة لا يحتاج فقط إلى السياسة بل إلى العقول العلمية الشابة.

​أربيل (مركز القرار والشرعية).. تظل العاصمة التي تصدر منها الرؤية السياسية الجامعة ليكون المثلث الكوردي (أربيل - السليمانية - دهوك) جسداً واحداً وقوة ضاربة لا تقبل القسمة على اثنين.  

​التكامل الاقتصادي وتحول الدولة من الاستهلاك إلى الإنتاج

​طرح السيد نيجيرفان بارزاني رؤية اقتصادية متقدمة تربط بين الاستثمار والبيئة التشريعية:

​التكامل لا التنافس.. التأكيد على أن اقتصاد كوردستان واقتصاد العراق هما اقتصادان يكملان بعضهما البعض وأن قوة بغداد هي قوة للإقليم، وازدهار كوردستان هو سند للعراق ككل.

​التحول نحو الإنتاج.. الدعوة إلى مغادرة نموذج الاقتصاد الاستهلاكي والانتقال الكامل نحو تنويع مصادر الدخل عبر القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة والسياحة).

​المعاملة بالمثل للشركات.. التأكيد على ضرورة تقديم بغداد التسهيلات للشركات العاملة في الإقليم واعتماد معاملاتهم القانونية والمالية، في مقابل توسع شركات الإقليم للعمل في وسط وجنوب العراق.

​ التأصيل الدستوري وإنهاء عقود إدارة الأزمات

​استند رئيس الإقليم في خطابه إلى المرجعية القانونية والصلابة الدستورية لفك الارتباط بين المطالب المشروعة والمناكفات السياسية:

​كسر قواعد اللعبة الصفرية.. عبر مقولته الذهبية ليس هدفنا تسلط أربيل على بغداد ولا العكس، بل انتصار العراق والدولة.

​الرفض القاطع لتسكين الأزمات.. التنبيه إلى أن سياسة إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة والتسويات السنوية تسببت في هدر الموارد والوقت وأن الحل يتطلب الخضوع للدستور باعتباره العقد الجامع المبرم بين العراقيين.

​المرجعية الدستورية المنسية:

​المادة (111) والمادة (112).. تأكيد أن إدارة النفط والغاز تتطلب شراكة اتحادية قانونية تؤمن حقوق الإقليم وتدفق المستحقات المالية دون تسويف أو قطع أحادي للرواتب.

​المادة (121).. كفالة حق إقليم كوردستان في ممارسة سلطاته الدستورية وتشكيل قوى الأمن الداخلي و البيشمركة.

​الدستور مصدر أمان لا امتياز.. تأكيد أن الدستور ليس مطلباً كوردياً فئوياً بل وثيقة حماية لجميع المكونات تضمن ألا يحتاج أي طرف للاحتماء بقوته أو عدده لضمان وجوده.

الرسائل الموجهة للبيت الداخلي الكوردي (الحكومة والبرلمان)

​وجه رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني رؤية إنقاذية حاسمة للقوى السياسية في الإقليم لضمان ديمومة الكيان الدستوري:

​الإسراع بتشكيل حكومة الإقليم.. التأكيد على أن تأخير الاستحقاقات الدستورية للبرلمان والتكتلات الحزبية يضعف موقف الإقليم التفاوضي في بغداد أمام القوى الإقليمية والدولية.

​تحييد قوت الشعب.. تجريد ملفات الرواتب والموازنة من التجاذبات الحزبية والتنافس السياسي الداخلي فالوحدة الوطنية هي الشرط الأساسي لضمان استحقاقات المواطنين.  

إجابات حاسمة في مواجهة الأسئلة الساخنة للإعلام

​أظهر رئيس الإقليم صراحة وشجاعة دبلوماسية في ردوده الصحفية على أشد الملفات حساسية وتأثيراً على الأمن القومي:

​حتمية الإعلان القريب لتوحيد البيشمركة (المادة 121 - خامساً).. كشف رئيس إقليم كوردستان بوضوح عن قطع شوط إستراتيجي في تنظيم القوات تحت مظلة وزارة البيشمركة واقتراب لحظة الإعلان الرسمي والنهائي عن توحيد القيادة في الميدان، وهي خطوة تعد رصاصة الرحمة على السلاح الحزبي وشرطاً أساسياً لبناء جيش كوردستان النظامي المصان دستورياً.

​معادلة السيادة والتحالف الدولي.. رداً على ملف القوات الأمريكية والتحالف استخدم السيد نيجيرفان بارزاني لغة سيادية متزنة بالقول إنهم أتَوْا لمهمة سُندت إليهم لمكافحة الإرهاب وستنتهي مهمتهم يوماً ما. هذه الصياغة تنزع فتيل المزايدات السياسية ضد الإقليم، وتؤسس لعهد الانتقال نحو الشراكة الأمنية الثنائية المستدامة بدلاً من منطق الاعتماد الدائم.

​الربط بين التنمية الاقتصادية والأمن السيادي.. التأكيد على أن جذب رؤوس الأموال وتحريك عجلة الاستثمار في قمة السليمانية ودهوك هما خط الدفاع الأول عن بقاء واستقلال الإقليم المالي والسياسي.

دعوة للتضامن الوطني: المسؤولية المشتركة في حماية العقد الاجتماعي

​إلى القوى السياسية في بغداد.. إن إضعاف إقليم كوردستان أو محاصرة مستحقاته المالية لن يبني بغداد قوية بل سيزيد من هشاشة الدولة، الحل يكمن في الشراكة الحقيقية وتطبيق الدستور روحاً ونصاً بدلاً من الانتقائية القانونية.

​إلى الأحزاب الكوردستانية KDP و PUK وباقي القوى.. إن التاريخ لن يرحم حالة التشظي والتخندق حماية كيان الإقليم تتطلب الإسراع بتشكيل حكومة موسعة وقوية وإنهاء الفوضى الإعلامية والالتفاف حول مؤسسة الرئاسة كحكم ومرجعية جامعة.  

​ إلى البيت العراقي الجامع.. الدستور هو ملاذ الجميع لضمان الحقوق وتجنب الدكتاتورية إن نبذ خطابات التجييش السياسي وبناء السلام الاجتماعي عبر نموذج التنمية والاستثمار هما الخيار الوحيد للعبور نحو المستقبل.

إن تحركات رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني بين أربيل والسليمانية ودهوك لم تكن حدثاً بروتوكولياً عابراً بل كانت صدمة إيجابية في جدار الانسداد السياسي، إنها دعوة شجاعة لجميع الفاعلين في بغداد وأربيل للخروج من خنادق الماضي الضيقة والتخلي عن الأوهام المركزية والحزبية، إن انتصار العراق وتثبيت أرشيف استقراره مرتهنان بقدرتنا جميعاً على الاحتكام إلى الدستور وإعلاء منطق الدولة لتظل كوردستان قلعة التنمية والاستقرار ويبقى العراق وطناً قوياً يتسع لجميع أبنائه بنفس القدر من الكرامة والشرعية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon