11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

انتصار النزاهة ودحر الفساد

انتصار النزاهة ودحر الفساد

فارس حامد عبد الكريم

2026-06-13T16:11:02+00:00

يعتقد البعض أن الفساد قدرٌ محتوم لا يمكن القضاء عليه، وأنه جزء من طبيعة الأنظمة السياسية والإدارية في الدول. غير أن التجارب العالمية أثبتت أن مكافحة الفساد ليست مهمة مستحيلة، بل هي مشروع وطني يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة حقيقية وأدوات فعّالة.

إن النجاح في مكافحة الفساد يعتمد على عدة مرتكزات أساسية، في مقدمتها:

  1. وضع استراتيجية وطنية محكمة لمكافحة الفساد، تتضمن أهدافاً واضحة، وآليات تنفيذ دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.

  2. توافر إرادة سياسية صادقة وملتزمة بمكافحة الفساد قولاً وفعلاً، لأن القوانين والمؤسسات مهما بلغت كفاءتها تبقى عاجزة إذا لم تجد دعماً حقيقياً من صانع القرار.

  3. تطوير البرامج والتكنولوجيا الحديثة التي تحد من التواصل المباشر بين المواطن والموظف، من خلال التحول إلى الإدارة الإلكترونية، بحيث تُنجز المعاملات كلياً أو جزئياً عبر الإنترنت، مما يقلل فرص الرشوة واستغلال النفوذ ويعزز الشفافية.

  4. توظيف الهندسة المعمارية في خدمة النزاهة عند تصميم وبناء الدوائر الحكومية، من خلال توفير بيئات عمل تسمح بالرقابة والشفافية وتحد من الممارسات غير المشروعة.

وقد لمست شخصياً أثر التكنولوجيا والإدارة الرشيدة أثناء رحلة علاجية إلى تركيا خلال فترة الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا. فعندما احتجت إلى السفر من ولاية إلى أخرى لتلقي العلاج، تواصلت عند منتصف الليل مع مركز الاستعلامات التركي عبر الرقم (157)، فتم تزويدي برابط تابع لوزارة الداخلية التركية. قدمت طلباً إلكترونياً للحصول على استثناء من حظر التنقل، ثم أرسلت التقرير الطبي المطلوب. وبعد نحو ساعة واحدة فقط وصلتني الموافقة الرسمية مع عبارة إنسانية رقيقة: “الأستاذ فارس، نتمنى لكم الشفاء العاجل”. فحجزت تذكرة السفر عبر الإنترنت، وسافرت لتلقي العلاج وعدت دون الحاجة إلى مراجعة أي دائرة أو مقابلة أي موظف.

كما تقدم التجارب الدولية نماذج ملهمة في مكافحة الفساد، ومن أبرزها تجربة هونغ كونغ. فهذه المدينة كانت تُعرف في العقود الماضية بانتشار الجريمة المنظمة والعصابات والاتجار بالمخدرات، حتى أصبحت صورتها مرتبطة بذلك في كثير من الأعمال السينمائية. لكنها تحولت اليوم إلى واحدة من أكثر المناطق نزاهة وتنظيماً في العالم، بفضل استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد، ودعم سياسي حازم، ومؤسسات متخصصة امتلكت الاستقلالية والكفاءة والقدرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.

ومن الذكريات المهمة في هذا المجال أنني، عندما كنت نائباً لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية في بدايات تأسيسها، مثلت الهيئة في أحد مؤتمرات الشفافية الدولية الذي عُقد في اليونان. وقد حرصت على التواصل مع مختلف الوفود المشاركة والاطلاع على التجارب الدولية الناجحة، فوجدت العديد من الأفكار الإبداعية التي طُبقت في دول مختلفة وأسهمت في الحد من الفساد وتعزيز النزاهة.

كما زرنا جهاز الرقابة الإدارية في جمهورية مصر العربية، ووجدنا مؤسسة كبيرة ومتطورة تمتلك وسائل عمل حديثة وتقنيات متقدمة وأساليب مبتكرة في الرقابة والتحري والوقاية من الفساد.

وخلاصة القول أن مكافحة الفساد ليست حلماً مستحيلاً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، وإنما هي مشروع دولة يبدأ بالإرادة السياسية الصادقة، ويستند إلى التخطيط العلمي والتكنولوجيا الحديثة والمؤسسات المهنية الكفوءة. فإذا توفرت الإرادة، فإن بقية التفاصيل يمكن أن ينجزها الخيرون من أبناء الوطن الذين يحملون الغيرة الحقيقية على شعبهم ومستقبل بلادهم.

فارس حامد عبد الكريم - نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الاسبق

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon