الحضور الاختياري أمام سلطة التحقيق الجزائي
د.سيامند مزوري
الحضور الاختياري أمام سلطة التحقيق الجزائي: قراءة تحليلية للمادة (96) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي في ضوء الضمانات الدستورية
تُعد مرحلة التحقيق الابتدائي الأساس الذي تقوم عليه الدعوى الجزائية، وهي الميدان الذي يتوازن فيه مصلحة المجتمع في كشف الجريمة وضبط مرتكبيها مع مصلحة الفرد في صون حريته وحمايته من التعسف الإجرائي. ولما كانت الإجراءات الجزائية تمس بطبيعتها الحقوق والحريات الفردية، فقد حرص المشرّع الدستوري العراقي في دستور عام 2005 على إرساء ضمانات أساسية لحماية المتهم، وهي ضمانات انعكست في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 عند تنظيمه وسائل إحضار المتهمين والشهود وفق ضوابط تحكمها مشروعية الإجراءات.
ومن النصوص التي تعالج حالة خاصة تنطوي على قدر من المرونة نص المادة (96) من القانون المذكور، الذي نظّم حالة مثول شخص أمام القاضي أو المحقق دون أن تصدر بحقه ورقة تكليف بالحضور أو أمر قبض. ويتناول هذا المقال البناء القانوني للمادة، ويحلل أحكامها في ضوء سمو القواعد الدستورية، ويبيّن طبيعتها الإجرائية وآثارها، ثم يعرض واقعها التطبيقي ودور المحامي في تفعيلها.
أولاً: الأساس الدستوري لحماية المتهم في الإجراءات القضائية
لا يمكن قراءة النصوص الإجرائية بمعزل عن المظلة الدستورية التي تشكّل الحصن الأساس لحقوق الأفراد وحرياتهم. فقد أرست المادة (19) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 مبادئ جوهرية تتكامل مع فلسفة المادة (96)، ومنها:
أصل البراءة (الفقرة خامساً): نصت على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، ولا يحاكم عن التهمة ذاتها مرة أخرى بعد الإفراج عنه إلا إذا ظهرت أدلة جديدة. ويقتضي ذلك ألا تتحول الإجراءات الأولية، أو التأخر فيها، إلى عقوبة سابقة على الحكم.
الحق في المعاملة العادلة (الفقرة سادساً): أكدت أن لكل فرد الحق في أن يعامل معاملة عادلة في الإجراءات القضائية والإدارية. وتجسد المادة (96) هذا المبدأ بتفادي اللجوء إلى وسائل الإكراه (كأمر القبض) بحق من يبدي تعاوناً ويمثل طوعاً.
قدسية حق الدفاع (الفقرة رابعاً): قررت أن حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، بما يتيح للمتهم ووكيله تقديم دفوعهما وإبداء حسن النية في وقت مبكر.
ثانياً: النص القانوني للمادة (96) وتحليله
نصّت المادة (96) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:
«إذا حضر أمام القاضي أو المحقق شخص كان ينبغي أن تصدر إليه ورقة تكليف بالحضور أو أمر بالقبض، فللقاضي أن يطلب منه تحرير تعهد بكفيل أو بدونه بأن يحضر أمامه في الوقت المطلوب، فإذا لم يحضر بدون عذر مشروع فللقاضي أن يصدر أمراً بالقبض عليه.»
يعالج النص، في ضوء المبادئ الدستورية المتقدمة، حالة متكررة في العمل القضائي هي مثول شخص أمام سلطة التحقيق طوعاً. وتتمثل ركائزه فيما يأتي:
طبيعة الحضور: يفترض النص أن الحضور تم دون سند إجرائي مسبق كان يتعين صدوره، وهو ما ينسجم مع مبدأ المعاملة العادلة ويجنّب الأفراد غير المتهرّبين من العدالة إجراءات قسرية.
السلطة التقديرية للقاضي: منح المشرّع القاضي سلطة تقديرية في طلب ضمانات لحضور الشخص لاحقاً، عبر تعهد بكفيل أو بدونه، بما لا يتعارض مع أصل البراءة.
أثر التخلف دون عذر مشروع: رتّب المشرّع على التخلف جزاءً إجرائياً هو جواز إصدار أمر بالقبض، فينتقل الأمر من المرونة القائمة على الطواعية إلى الإلزام القضائي المشروع.
ثالثاً: الفلسفة الإجرائية والغاية التشريعية
تقوم المادة (96) على فكرة الاقتصاد الإجرائي، أي تجنب الإجراءات غير الضرورية متى انتفت الحاجة إليها، مع ضمان عدم إفلات الخصوم أو الشهود من الرقابة القضائية:
تحقيق السرعة واليسر في التحقيق: متى بادر الشخص بالحضور من تلقاء نفسه، أغنى التعهد بالحضور عن إصدار ورقة التكليف وتبليغها وما يتطلبه ذلك من وقت وجهد ونفقات.
الموازنة بين حرية الفرد وسلطة التحقيق: يتيح النص مثولاً اختيارياً آمناً يحترم قرينة البراءة والحق في المعاملة العادلة، ويوفر في الوقت ذاته ضمانة كافية لالتزام الشخص بالعودة في الموعد المحدد.
رابعاً: البعد العملي ودور المحامي في تفعيل النص
على الرغم من الحكمة التشريعية التي يقوم عليها هذا النص والغطاء الدستوري الذي يحيط به، فإن الواقع العملي قد يشهد أحياناً قصوراً في تطبيقه، يرجع في بعض الحالات إلى الاعتياد على المسارات الإجرائية التقليدية، كالإصدار المباشر لورقة التكليف بالحضور أو أمر القبض، دون الاستفادة من البدائل المرنة التي يتيحها القانون.
ومن هنا يبرز دور المحامي في تحويل حق الدفاع المكفول دستورياً إلى ممارسة فعلية، بالتمسك بأحكام المادة (96). فإذا بادر الموكل إلى مراجعة المحكمة طوعاً، كان على المحامي أن يطلب الاكتفاء بتحرير تعهد بالحضور، دفعاً لإصدار أمر قبض قد يمس سمعة موكله أو يقيّد حريته دون مبرر.
خامساً: مثال تطبيقي
الوقائع: راجع شخص مكتب محامٍ وهو في حالة قلق شديد، لعلمه بوجود شكوى مسجلة ضده في أحد مراكز الشرطة أو أمام محكمة التحقيق بجريمة غير جسيمة. وهو يخشى صدور أمر قبض بحقه يضطره إلى قضاء ليلة في التوقيف، مع أنه مستعد لتسوية النزاع أو تقديم دفوعه.
الخطوات العملية وفق المادة (96) والدستور:
المثول الاختياري الاستباقي: بدلاً من انتظار صدور أمر القبض، يصطحب المحامي موكله للمثول أمام قاضي التحقيق المختص إعمالاً لحق الدفاع.
الاستناد إلى النصوص: يقدم المحامي طلباً شفوياً أو تحريرياً مستنداً إلى المادة (19/رابعاً وسادساً) من الدستور والمادة (96) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، مبيّناً أن موكله حضر طوعاً تعاوناً مع القضاء وتأكيداً لقرينة براءته، وأنه لم يتوارَ عن الأنظار.
تحرير التعهد: إذا اقتنع القاضي بجدية المبادرة، قرر تدوين أقوال الشخص بصفته متهماً أو شاهداً بحسب الحال، وطلب منه تحرير تعهد بكفيل أو بدونه بالحضور في الموعد المحدد لاستكمال الإجراءات.
النتيجة: يتجنب الموكل صدور أمر القبض وما يترتب عليه من ملاحقة، ويتحقق التطبيق الفعلي للعدالة الإجرائية والضمانات الدستورية.
الخاتمة
الخاتمة والتوصيات
تمثل المادة (96) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 امتداداً للقيم الدستورية التي كفلتها المادة (19) من الدستور، ولا سيما صيانة حرية الفرد وضمان معاملته العادلة وكفالة حق الدفاع. وقد تبيّن من هذه القراءة أن النص يقدّم بديلاً مرناً عن الإجراءات القسرية، يحقق الموازنة بين مصلحة التحقيق وحرية الفرد، غير أن قيمته العملية تبقى رهناً بمدى معرفة المعنيين به وحسن تطبيقه.
ويُعد نشر الوعي بهذا النص وترسيخ المعرفة به شرطاً أساسياً لتفعيله، إذ إن كثيراً من النصوص الإجرائية المرنة لا يقصّر في إعمالها غموضها، وإنما قلة تداولها وضعف الإلمام بها. ومن هنا يمكن عرض التوصيات الآتية:
أولاً: على مستوى القضاة والمحققين
تعزيز الثقافة القضائية بالبدائل غير القسرية التي يتيحها القانون، ومنها المادة (96)، من خلال الدورات التدريبية في المعهد القضائي وورش العمل الدورية.
تشجيع اعتماد التعهد بالحضور، بكفيل أو بدونه، أصلاً في الحالات التي يبادر فيها الشخص إلى المثول طوعاً، ولا سيما في الجرائم غير الجسيمة، على أن يكون اللجوء إلى أمر القبض استثناءً مسبّباً.
إبراز التطبيقات القضائية الناجحة للنص ونشرها، بما يكوّن استقراراً في العمل ويشجع على الاقتداء به.
ثانياً: على مستوى المحامين
إدراج الدفع بالمادة (96) ضمن أدوات الممارسة الدفاعية المبكرة، وعدم انتظار صدور أمر القبض قبل اتخاذ المبادرة.
تنظيم نقابة المحامين برامج تدريبية وندوات علمية تعنى بالجانب العملي للنصوص الإجرائية والضمانات الدستورية المتصلة بها.
إعداد نماذج استرشادية للطلبات المقدمة استناداً إلى هذا النص، تيسيراً على الممارسين حديثي العهد بالمهنة.
ثالثاً: على مستوى المواطنين
توعية الجمهور بحقهم في المثول الطوعي أمام سلطات التحقيق، وبأن الحضور الاختياري بمساعدة محامٍ قد يجنّبهم إجراءات قسرية، وذلك عبر المنصات الرسمية لمجلس القضاء الأعلى ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية.
إصدار أدلة إرشادية مبسطة تشرح حقوق الأفراد في مرحلة التحقيق وواجباتهم، ومنها الالتزام بالحضور في الموعد المحدد، لأن التخلف دون عذر مشروع يعرّضهم لأمر القبض.
رابعاً: على المستوى التشريعي والأكاديمي
دعوة المشرّع إلى النظر في تنظيم أوضح لضوابط تطبيق المادة (96)، كتحديد معايير استرشادية لطلب الكفيل وتقدير العذر المشروع، تحقيقاً للوضوح وتقليلاً لتفاوت التطبيق.
تشجيع الدراسات الأكاديمية والبحوث الميدانية التي ترصد مدى تطبيق النص في المحاكم وتقيّم أثره العملي.
تضمين النص وتطبيقاته ضمن المناهج الدراسية في كليات القانون والمعاهد المتخصصة.
وختاماً، فإن تحويل النصوص القانونية إلى ضمانة حقيقية لحقوق الأفراد لا يتحقق بالتشريع وحده، وإنما بتكامل الوعي والممارسة والتدريب بين القضاة والمحامين والمواطنين. وبذلك يتحقق الهدف الذي قصده المشرّع: صون الحريات الفردية، وحفظ هيبة القضاء، وسرعة الفصل في الدعاوى الجزائية.