الثقافة الكوردية في بغداد جذور ومآلات
محمد المندلاوي
بغداد ليست مجرد مدينة تطوي في ميادينها وازقتها وشوارعها لمحات من التاريخ بل هي فضاء نابض بالحياة وأفق التحمت فيه ثقافات متعددة، وتجاورت فيه لغات وتقاليد وهويات اسهمت مجتمعة في صياغة الشخصية الثقافية للعراق، ولذلك أصبح التنوع جزءًا أساسيًا من هوية بغداد، ومن ضمن هذه الثقافات تبرز الثقافة الكوردية بوصفها مكونا مهما من مكونات التنوع العراقي اذ استطاع الكورد عبر حضورهم التاريخي والاجتماعي في بغداد ان يحافظوا على خصوصيتهم الثقافية وفي الوقت نفسه ان يشاركوا بفعالية في الحياة العامة للعاصمة على الرغم من كثرة ما عصفت بهم الاحداث السياسية والامنية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
وقد تخطى الحضور الكوردي في بغداد حدود الاقامة والانتماء السكاني، وامتد إلى تشكيل تاريخ حافل من العلاقات الاجتماعية والثقافية ليتمظهر أدبا وشعرا وموسيقى وفناً وصحافة وتعليما وعملاً اكاديميا فضلا عن العادات والتقاليد والموروث الشعبي والمناسبات العامة والمطبخ الشعبي، وهكذا اصبحت بغداد ساحة للتفاعل بين الثقافة الكوردية والثقافات الاخرى مما خلق حالة من التبادل الثقافي أسهمت في اثراء المشهد الحضاري للمدينة، ومن هذا المنطلق فان دراسة الثقافة الكوردية في بغداد لا تقتصر عل التعريف بعادات شعب وتراثه وانما تكشف جانبا مهما من طبيعة المجتمع العراقي القائم على التنوع والتعدد والتفاعل بين مكوناته المختلفة.
فاللغة هي الركيزة المحورية في بناء الهوية الثقافية، اذ تمثل الوسيلة الاساسية لحفظ الذاكرة الجماعية ونقل الخبرات والقيم بين الاجيال وقد أدت اللغة الكوردية بلهجاتها المتنوعة دورا بارزا في حفظ وتداول التراث الشفاهي بما يكتنزه من اغنيات وأمثال وحكم وسرديات شعبية.
انطلاقا من ذلك اتسم الادب الكوردي بأهمية خاصة في التعبير عن التجربة الانسانية والاجتماعية للمجتمع الكوردي، فقد تناول الادباء الكورد موضوعات متعددة أهمها قضايا المحبة والحرية والجمال والطبيعة والفراق واسهموا في اشباع الذاكرة الثقافية والادبية من خلال نتاجاتهم التي تناولت موضوعات الهوية والانتماء، كما مثل الشعر الشعبي والحكايات المتوارثة وسيلة فعالة للحفاظ على الموروث الثقافي في ظل التغيرات التي طرأت على المجتمع عبر الزمن.
واتساقا مع اللغة والادب فقد جسدت الفنون الشعبية مجالا اخر تتجلى فيه الخصائص المميزة للثقافة الكوردية، حيث تحتل الموسيقى مكانة بارزة في الحياة الاجتماعية اذ ارتبطت بالافراح والمناسبات والتجمعات الشعبية كما تناولت موضوعات وجدانية ووطنية وانسانية متعددة واسهمت الالحان التقليدية والالالت الموسيقية الشعبية المتوارثة في الحفاظ على الطابع المميز للموسيقى الكوردية، وتبرز الدبكة الكوردية بوصفها احد اكثر اشكال التعبير الجماعي حضورا في المناسبات الاجتماعية في مشهد يعكس روح الجماعة والتلاحم المجتمعي ومن هذا المنظور لاتؤدي الفنون الشعبية وظيفة ترفيهية فحسب بل تؤدي ايضا وظيفة ثقافية تتمثل في تعزيز الانتماء والمحافظة على الموروث.
وغير خفي على المطّلع ما تضفيه أعياد (يوم النوروز) على المجتمع من فرصة للتعبير عن الفرح والاحتفاء بالتراث والتي تنتقل من خلالها عناصر ثقافية متعددة الى الاجيال الجديدة.
ولا تنفصل الثقافة الكوردية في بغداد عن تاريخ المدينة، بل هي جزء من الكتاب الثقافي العراقي الذي كتبته أجيال متعاقبة بلغات ولهجات وتقاليد متعددة. وقد أسهم الكورد في إثراء بغداد بالأدب والفن والعادات والتقاليد، كما أسهم تفاعلهم مع المجتمع البغدادي في إنتاج مساحة ثقافية مشتركة تتجاوز حدود الاختلاف. ولذلك، فإن الحفاظ على الثقافة الكوردية لا يعني الانغلاق على الهوية، بل يعني حماية أحد أوجه الثراء الذي يميز العراق.
إن كل تلك العوامل والخصائص المميزة للثقافة الكوردية تبلورت لطرحها كواحدة من ألمع الثقافات العريقة ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الشرق الاوسط، وقد تظافرت عوامل تاريخية واجتماعية وجغرافية متعددة في تشكيل ملامحها، فهي ليست مجرد مجموعة من العادات والممارسات الشعبية وانما منظومة متكاملة من القيم والمعارف التي تعبر عن هوية المجتمع الكوردي ووعيه بذاته وتاريخه، وقد استطاعت هذه الثقافة على الرغم من التحولات السياسية والاجتماعية المتعاقبة ان تحافظ على الكثير من عناصرها الاساسية وان تنقلها من جيل الى اخر عبر اللغة والادب والفنون والعادات والمناسبات الاجتماعية، ومن ثم فان هناك المزيد من الفرص الواعدة والدواعي المعرفية لدراسة الثقافة الكوردية بتوسع وشمولية وبأدوات علمية ومنهجية لاستيعاب جانب مهم من التنوع الحضاري والثقافي الذي تتميز به المنطقة عموما والعراق خصوصا.