مقهى الكورد الفيليين

مقهى الكورد الفيليين
2026-02-25T07:21:46+00:00

عباس عبد شاهين

تعد المقاهي البغدادية واحدة من أبرز معالم الحياة الاجتماعية والثقافية إذ لم تكن يوماً مجرد أماكن للجلوس وشرب الشاي والقهوة بل فضاء للحوار  السياسي وتبادل الأفكار وحفظ الذاكرة الشعبية ومن بين هذه المقاهي التي تحمل طابعاً تراثياً خاصاً يبرز مقهى الكورد الفيليين في باب الشيخ كواحد من الأماكن التي تمزج بين التاريخ الاجتماعي والهوية الثقافية وتعيد إحياء ذاكرة مكون عراقي أصيل هو الكورد الفيليون ويقع المقهى في شارع الكفاح قرب مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني في منطقة تعد من أقدم الأحياء الشعبية في بغداد حيث تتداخل الأزقة القديمة مع إرث اجتماعي غني شكل عبر عقود طويلة لوحة إنسانية متنوعة وتتميز المنطقة تاريخياً بوجود الكورد الفيليين إلى جانب بقية المكونات العراقية ما جعلها مساحة للتعايش والتفاعل الثقافي فقد استوطن الكورد الفيليون منذ قرون المناطق الحدودية الشرقية للعراق خصوصاً في بغداد وديالى وواسط وميسان واشتهروا بدورهم التجاري والاجتماعي والسياسي البارز داخل المدن وقد تميزوا بلهجتهم الكوردية الخاصة وانتمائهم الثقافي المزدوج بين البيئة الكوردية والهوية البغدادية المدنية وعاش الكورد الفيليون خلال العقود الماضية محطات تاريخية صعبة أبرزها حملات التهجير القسري التي تعرضوا لها في ثمانينيات القرن الماضي خلال حقبة حكم حزب البعث المقبور حيث سحبت جنسيات آلاف العوائل ورحلوا خارج البلاد في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية في التاريخ العراقي الحديث ورغم تلك الظروف ظل حضورهم الثقافي والاجتماعي فاعلاً وأسهموا في الاقتصاد والتجارة والفنون والحياة المدنية لبغداد.

ويحمل مقهى الكورد الفيليين اسماً ذا دلالة تاريخية وإنسانية إذ لم تأتي التسمية مصادفة بل تعبيراً عن تقدير ومحبة لهذا المكون الكوردي الاصيل وما تعرض له من مظلومية تاريخية ويشير القائمون عليه إلى أن الاسم يمثل استذكاراً لذاكرة اجتماعية حاضرة في وجدان العاصمة ويدير المقهى جمال المحمداوي المعروف بـأبو علي وهو رجل عربي اختار أن يطلق هذا الاسم على المقهى تقديراً للكورد الفيليين وتاريخهم في خطوة تعكس طبيعة المجتمع البغدادي القائم على التداخل والتعايش ورغم ان المقهى الحالي تأسس عام 2022 إلا أن الاسم يعود إلى مقهى أقدم كان موجوداً قبل نحو سبعة عقود في الشارع العام ما يمنح المكان امتداداً رمزياً لتاريخ أسبق ويتميز المقهى بجلسة بغدادية أصيلة وصور تراثية نادرة توثق أيام بغداد القديمة حيث تعلق على الجدران صور تاريخية ورموز اجتماعية وسياسية تعيد الزائر الى ذاكرة المدينة في زمنها الجميل ولا يقتصر رواد المقهى على الكورد الفيليين فقط بل يجتمع فيه أبناء مختلف المكونات العراقية من الشباب وكبار السن في مشهد يعكس روح التعايش التي ميزت المجتمع البغدادي عبر الأجيال وقد أصبح المقهى نقطة استقرار اجتماعي لرواده الذين اعتادوا اللقاء اليومي فيه ويقول عمار مزهر أحد رواد المقهى ان منطقة الكفاح وباب الشيخ والصدرية مناطق شعبية تاريخية عاش فيها الكورد الفيليون منذ زمن طويل مضيفاً ان الصور المعلقة داخل المقهى تعكس حب تاريخ بغداد وتوجه رسالة واضحة بأن العراقيين يد واحدة وقلب واحد ويرى أن تسمية المقهى جاءت تكريماً لمكون ترك بصمة واضحة في تاريخ العراق رغم ما تعرض له من ظلم من جانبه يشير ماجد الكوردي وهو أحد رواد المكان إلى أن المقهى أصبح مركز لقاء للكورد الفيليين وأصدقائهم من مختلف المحافظات بل وحتى من أبناء الجاليات العراقية القادمة من أوروبا وإيران عند زيارتهم بغداد مؤكداً أن المكان يمثل “سنتر” اجتماعياً وثقافياً يجمع الجميع تحت سقف واحد.

ويمثل مقهى الكورد الفيليين نموذجاً حياً لكيفية تحول المكان البسيط إلى مساحة لحفظ الذاكرة الجماعية فبين فناجين الشاي وصور الماضي تتجدد حكايات بغداد وتروى قصص التعايش والتاريخ المشترك بين مكوناتها وفي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية تبقى مثل هذه المقاهي شاهداً على قدرة المجتمع العراقي على إعادة بناء روابطه الإنسانية من خلال الثقافة والذاكرة المشتركة فالمقهى ليس مجرد موقع جغرافي بل رسالة اجتماعية تؤكد أن التنوع العراقي ظل دائماً مصدر قوة وأن تاريخ الكورد الفيليين جزء لا يتجزأ من تاريخ بغداد نفسها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon